رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٠ - فصل
قد ظهرت نعمة اللّه تعالى علي، و أحضرت أجلها لديّ، و أمرت بإخراج ما في خزائني من الجواهر النفيسة و الآلات الثمينة مما جمعته أنا في أيامي و ما ورثته عن آبائي، فأحضر بين يديّ في خلوة من حشمي و عبيدي و خزّاني الذين كانوا نقلوه بين يديّ، فرأيت منظرا أطربني غاية الطرب، و فرحت بها و طربت لها و أخذت منها بالنصيب الأوفر و الحظ الأجزل من الغبطة و السرور و الجذل و الحبور، فكبرت نفسي و عظم قدري، و ظننت أني قد وصلت إلى ما لم يصل إليه أحد غيري، و أني من أسعد السعداء، ثم إني نمت فرأيت في منامي كأني في تلك الحال على أحسن ما يكون و أتمه و أكمله، و كان رجال دولتي و عبيد مملكتي كلّهم قيام بين يديّ خاضعون لي، ساجدون سامعون لقولي، مطيعون لأمري، و أنا على سرير مملكتي في محل كرامتي.
فبينما أنا كذلك إذ رأيت رجلا شابّا مليح الصورة حسن الأثواب لم أره قبل ذلك الوقت و لا عرفته، و كأنه بالقرب مني ينظر إليّ نظر المستهزئ بي غير هائب و لا خاضع بين يديّ و لا مسلّم علي، مستقلّ بجميع ما أنا فيه، و كأنه يملك ما لا أملكه و يقدر على ما لا أقدر عليه، و يصل إلى ما لا أصل إليه، فغاظني ذلك منه و كأني قد هممت بالإيقاع به، و أمرت من كان بين يديّ من خدمي و أصحابي من جميع أهل مملكتي و رجال دولتي أن يقعوا به، و هو قائم في مكانه يضحك بي! و كأنهم لم يصلوا إليه و لا قدروا عليه، و كأنه قد زاد استهزاؤه بي و استزراؤه و لم يهله شيء مما رآه.
فلما رأيت منه ذلك هالني و أفزعني، فقمت من مكاني و تنحيت عن سريري و دنوت منه و قلت له: من أنت، و من أين أنت، و كيف وصلت إليّ، و من أين دخلت علي؟ فقال لي: يا مسكين يا مغرور بسلطان الأرض و الملك الجزئي، أيّ ملك أنت، إنما أنت مملوك و لست بمالك! فلم تدّعي المحال و ترضى لنفسك بالكذب، و جميع ما أنت فيه زائل مضمحل؟! فإنه عما قليل يفارقك و تفارقه، و إنما الملك الملك السماوي و السلطان الإلهي، فإن