رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٣ - فصل
و الغناء و الفرح و السرور، و كان ابن الملك يقعد في صدر المجلس على سرير له و ينظر إلى الناس و ما هم فيه من الفرح و السرور. فلما مضى من الليل قطعة و نام أكثر الناس قام من مجلسه ليدخل الحجرة للخلوة عند العروس. فاتفق ليلة أن نام أهل المجلس كلهم من السكر، و قام الفتى يمشي في الدار حتى خرج من باب الدار، و جعل في الشارع، و مشى حتى خرج من المدينة فوقع في الصحراء و لم يدر أين هو! ثم إنه رأى ضوءا من بعيد فذهب نحوه حتى قرب منه، فإذا هو بباب مردود، و الضوء من داخله، فدفع الباب فإذا هو بقوم نيام مطروحين يمنة و يسرة، و كل واحد ملفوف في إزار، فظن أنها حجرة العروس، و أن أولئك النيام جواريها و خدمها، فجعل يناديهم فلم يجبه أحد منهم، فظن أن ذلك من شدة سكرهم، فجعل يلتمس العروس من بينهم، حتى وقعت يده على واحدة هي أطراهنّ ثيابا و أطيبهن ريحا، فظن أنها عروسه، فاضطجع معها و عانقها، و جعل طول الليل يبوسها و يمتص من ريقها و يتلذّذ، و لا يرى أن تكون لذة أطيب مما هو فيه! فلما أصبح و زال سكره نادى بالخادم فلم يجبه أحد، و جعل يحرّك العروس فلا تجيبه و لا تنتبه. فلما طال ذلك عليه فتح عينيه، فإذا هو في ناووس خرب، و إذا أولئك النيام كلهم جيف الموتى، و إذا هو بجنب امرأة عجوز قد ماتت منذ قريب، و عليها أكفان جدد، و حنوط طريّ، و إذا الدم و الصديد قد سال منها، و تلوثت ثيابه و بدنه و وجهه من تلك الدماء و الصّديد و القاذورات! فلما رأى ذلك الحال هال، و ورد عليه أمر سهول، فقام مرعوبا و طلب الباب و خرج هاربا متنكرا مخافة أن يراه أحد على تلك الصورة و الحال، ذاهبا في طلب الماء ليغسل ما به، حتى إذا ورد إلى نهر نزع ثيابه ليغسلها من ذلك الدم و الصديد و القاذورات، و هو متفكّر في أمر كيف كان خروجه من مجلسه و منزله، و لا يدري أين هو من البلد و ما خبر أهله من بعده؟!