رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٥ - فصل
واحدة، كلّ منهما صلاح للأخرى في تعاونهما في خدمة النفس و طاعتهما في إدراكها المحسوسات.
فهكذا ينبغي أن يكون تعاون إخوان الصفاء في طلب صلاح الدين و الدنيا، و ذلك أن معاونة الأخ ذي المال للأخ ذي العلم بماله، و معاونة الأخ ذي العلم للأخ ذي المال بعلمه في صلاح الدين كمثل رجلين اصطحبا في الطريق في مفازة، أحدهما بصير ضعيف البدن معه زاد ثقيل لا يطيق حمله، و الآخر أعمى قويّ البدن ليس معه زاد، فأخذ البصير بيد الأعمى يقوده خلفه، و أخذ الأعمى ثقل البصير فحمله على كتفه، و تواسيا بذلك الزاد، و قطعا الطريق، و نجوا جميعا، فليس لأحدهما أن يمنّ على الآخر في إنجائه له من الهلكة في معاونته، لأنهما نجوا جميعا بمعاونة كل واحد منهما صاحبه، و المعاونة لا تكون إلّا بين اثنين أو أكثر. و الأخ الجاهل كالأعمى، و الأخ الفقير كالضعيف، و الأخ الغنيّ كالقوي، و الأخ العالم كالبصير، و الطريق هي صحبة النفس مع الجسد، و المفازة هي الحياة الدنيا، و النجاة هي حياة الآخرة.
فهكذا مثل إخواننا المتعاونين في صلاح الدنيا و الدين.
و أما من رزق العلم و لم يرزق المال، و لا يجد من يواسيه بالمال من إخواننا، فينبغي له أن يصبر و ينتظر الفرج، فإنه لا بد أن يؤيّده اللّه، عز و جل، بأمر أو بأخ يخفف عنه ما يحتمله من ثقل الفقر، كما وعد لأوليائه فقال عزّ من قائل: «و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب». و قال تعالى: «و من يتق اللّه يجعل له من أمره يسرا».
و ينبغي له أن يعلم أن الذي رزق من العلم خير من الذي رزق من المال، لأن العلم سبب لحياة النفس في دار الدنيا و الآخرة جميعا، و المال سبب لإقامة حياة الجسد في دار الدنيا فقط، و فضل ما بين النفس و الجسد و شرف جوهرها، و فضل حياتها و فضل ذاتها، فقد تقدم ذكره. و ينبغي له أن يتفكر في الذي حرم من المال و العلم جميعا ليعرف نعمة اللّه عليه و يشكره