رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٠ - فصل
رشيد عالم عارف بحقائق الأشياء و الأمور، مؤمن بيوم الحساب، عالم بأحكام الدين، بصير بأمور الآخرة، خبير بأحوال المعاد، مرشد لك إليها. و من أنحس المناحس أن يكون لك ضدّ ذلك.
و اعلم أن المعلم و الأستاذ أب لنفسك و سبب لنشوئها و علّة حياتها، كما أن والدك أب لجسدك و كان سببا لوجوده، و ذلك أن والدك أعطاك صورة جسدانية، و معلمك أعطاك صورة روحانية، و ذلك أن المعلم يغذّي نفسك بالعلوم و يربّيها بالمعارف، و يهديها طريق النعيم و اللذّة و السرور و الأبديّة و الراحة السرمدية، كما أن أباك كان سببا لكون جسدك في دار الدنيا و مربّيك و مرشدك إلى طلب المعاش فيها التي هي دار الفناء و التغيير و السّيلان ساعة بساعة، فسل يا أخي ربك أن يوفق لك معلما رشيدا هاديا سديدا، و اشكر اللّه على نعمائه السابغة.
فصل
و اعلم أن في الناموس أقواما يتشبهون بأهل العلم و يتدلّسون بأهل الدين، لا الفلسفة يعرفونها، و لا الشريعة يحققونها، و يدّعون مع هذا معرفة حقائق الأشياء، و يتعاطون النظر في خفيّات الأمور الغامضة البعيدة، و هم لا يعرفون أنفسهم التي هي أقرب الأشياء إليهم، و لا يميّزون الأمور الجلية، و لا يتفكرون في الموجودات الظاهرة المدركة بالحواس المشهورة في العقول، ثم ينظرون في الطفرة و القلقة و الجزء الذي لا يتجزّأ و ما شاكلها من المسائل في الأمور المتوهّمة التي لا حقيقة لها في الهيولى، و هم شاكّون في الأشياء الظاهرة الجلية، و يدعون فيها المحالات بالمكابرة في الكلام و الحجاج في الجدل، مثل دعواهم أن قطر المربع مساو لأحد أضلاعه، و أن النار لا تحرق، و أن شعاع البصر جسم يبلغ في طرفة العين إلى فلك الكواكب، و أن علم النجوم باطل،