رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٠ - فصل
لم يتركه فارغا، بل خلق فيه أجناسا من الطيور تسبح كما يسبح السمك في الماء. و كذلك هذه البراري اليابسة الجافة لم يتركها خاوية حتى جعل فيها أجناسا من الوحوش و السباع و الأنعام، و كذلك في الآجام و الآكام و رءوس الجبال و بطون الأودية و شطوط الأنهار، حتى خلق في لبّ النبات، و في ثمر الشجر، في جوف الحبّ، حيوانات مختلفة الصور و الأشكال.
و اعلم أن صور هذه الحيوانات، مع اختلاف أشكالها و سائر هيئاتها، مثالات و أشباح لتلك الصور التي في عالم الأفلاك، غير أن هذه في هيولى جسمانية، و تلك في جواهر روحانية، و ما نسبة هذه الخلائق التي في عالم الكون و الفساد و أحوالها بالإضافة إلى تلك الخلائق التي في عالم الأفلاك و أحوالها، إلّا كنسبة الصّور المنقوشة على وجوه الحيطان و أبواب الحمّامات بالأصباغ المختلفة، و كما أن تلك الصّور مثل و أشباح للدوابّ المتحركة و الحيوان الحسّاس، و أن تلك الصورة ميتة و هذه حيّة، كذلك تلك الخلائق روحانية و هذه جسمانية، و تلك شفّافة و هذه مظلمة، و تلك باقية و هذه فانية، و تلك صافية و هذه كدره، و تلك نورانية و هذه ظلمانيّة، و تلك حافظة هذه فاسدة.
قال الملك: لم أخرج آدم و زوجته و ذريّته من الجنة هناك، و أهبطوا إلى الأرض؟ قال: الجنابة كانت منهما! قال: فحدثني كيف كانت القصة؟ قال: هي سر خفيّ لا يجوز كشفها، و لكن أضرب لك مثلا تفهمه، أ لا ترى أيها الملك إلى عبدك الفلاني الذي ربّيته صغيرا ثم لما نشأ و نما أدّبته و علمته كثيرا، فلما كبر اصطفيته و فضّلته و شرّفته، ثم ولّيته بعض مملكتك، و جعلته خليفة في بعض بلادك، و أمرت بطاعته أكثر عبيدك و رعيتك، و منحته أكثر نعمك، و نهيته عن معصيتك، فخالفك و ترك وصيّتك، و ارتكب نهيك، كيف حططت من مرتبته، و كيف تكشّفت عورته، و كيف حبسته في حبسك هو و من