رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٧ - فصل
فما ذا ترى يا أخي؟ أيّهما خير لذلك الرجل و أحبّ إليه، أن يبقى طول الدهر نائما ملتذّا، مسرورا فرحا بما تراه نفسه من ذلك المنام، أو ينتبه فيحسّ بما فيه جسده من تلك الآلام؟ و ما ذا ترى و تقول لمن يزعم أن الإنسان إنما هو الجسد، و أن النفس لا حقيقة لها، و أن تلك الآلام و اللذّات و الفرح و الغمّ و السرور و الحزن كلها ينالها الجسد؟ فلم لا ينال الجسد في حال النوم تلك الآلام و الغمّ و الحزن، و الذي به من الجهد و البلوى، و هو موجود برمّته، و تلك الأحوال باقية عليه عند رؤية نفسه مثل هذا المنام و نيلها ذلك الفرح و السرور.
فصل
و ذكروا أيضا أن رجلا بالعراق أصلح مجلسا للشّرب، و دعا إخوانا له، فلما فرغوا من الأكل و قعدوا للشرب، و ارتفعت أصوات العيدان و المزامير، و دار الشراب فيهم، و طرب القوم، نام رجل منهم عند ذلك مما هم فيه من اللذة و السرور، فرأى دارا حسنة و ستورا و فرشا، و أواني، و رياحين، و فواكه، و شموعا تزهر، و مجامر تبخر، و قد امتلأ ما حول الإيوان من الضياء و الروائح و النعيم. و رأى فتيانا عليهم زين الجمال و محاسن الكمال، فبقي متفكرا متعجبا بما يرى و يسمع و يشمّ من محاسن المحسوسات، و ما تلتذ منه الحواسّ، و تفرح الأرواح، و تسرّ النفوس، و نعس و غاص في نومه، حتى لم يحسّ بشيء مما كان في المجلس من تلك المحسوسات.
ثم رأى، فيما يرى النائم، كأنه في بلاد الروم في كنيسة من كنائس النصارى، و هي مشتعلة بالقناديل، منقوشة بالتصاوير، مملوءة من الصلبان.
و إذا هو بين قوم من القسّيسين و الرّهبان عليهم ثياب المسوح، و على أوساطهم مناطق من السّيور، و بأيديهم مجامر معلّقة، و هم يطرحونها