رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٨ - فصل
ذلك و أقدم عليه بالعمد و القصد إلى فساد الصورة الإنسانية، بسبب دنيا ينالها أو شيء من قنيتها، فهو ساحر مفسد في الأرض ممن حلّ قتله و نفيه من الأرض، و هو ممن حارب اللّه، عز و جل، و رسوله، و سعى بالفساد، و ممن استحق قطع الأعضاء و فساد الصورة، مثل ما فعل فرعون بالسحرة لما رآهم و قد أفسدوا عليه ما كان يعمله، و أسقطوا هيبته عند أصحابه و الملإ من قومه.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أن كثيرا من الأطباء المبتدئين و غير المجرّبين يقتلون العليل و يزيدون المرض بالمرضى فيخطئون من حيث ظنوا أنهم قد أصابوا. فكم من عليل قتلوه، و من صحيح أسقموه، و من ذي سلامة أعطبوه. و التفقد لهذا الباب و التحرّز منه و التنبيه عليه و الإرشاد إليه فيه فائدة جليلة.
و نريد أن نبين لك ما يكون تعلمه من ذلك فإنه لا بد لك من استعماله، إذ كانت الأجسام مرتهنة بحدوث الآلام و الأوجاع و الأسقام و الداء و الدواء، لأن من شأن إخواننا، أيدهم اللّه و إيانا بروح منه، المعرفة بجميع العلوم و الاطلاع عليها و معرفة أهلها.
فاعلم أيها الأخ أنه يجب على من أراد العلم بصناعة الطب أن يبدأ أولا بدرس الكتب على الحكماء، و قراءتها على العلماء، و معرفة مقدّمات العلل و الأسباب التي تكون منها و تحدث عنها، و معرفة جميع الأدوية لأخلاطها على النسبة الفاضلة و القسمة المعتدلة، و معرفة الطبائع الأربع و اختلافها، و كيف تكون صحة المزاج في وقت الصحة، و كيف يكون فساده في وقت الفساد، و كيف يعرف وزن بنية الجسد في جانبيه معرفة هندسية. فإذا صحّ ذلك له و أحكمه و عرف العلامات الدالّة على العلّة في النبض و الماء، و ما ينفصل عن الجسد، و يخرج من الفضول الحادثة عن العلل العارضة، و بعد ذلك ابتدأ بتعلم الصناعة النجومية و الأحكام الفلكية لأنها هي الأصل و العمدة