رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٩ - فصل
الكشف عن حقيقة هذا الأمر، على صحة و بيان من غير تقليد و لا تكذيب، فإن بان أنه حق طلبناه حقّ الطلب، و تركنا ما نحن فيه من عبادة أصنام و أمور هذه الدنيا التي كلّها إلى زوال و فناء، كما فنيت أعمار الذين كانوا من قبلنا فزال ملكهم و نعيمهم. ثم قال له: أخبرني بما ذا يصفون الحكماء من أصناف الخلائق هناك؟ قال: يقولون لا يعلم عددهم إلّا اللّه، كما لا يحصى عدد الخلائق الذين هم في الأرض من أجناس الحيوان من الأنعام و السباع و الوحوش و الطيور و الهوامّ و الحشرات و الدوابّ و حيوان الماء و البحار أجمع، و أصناف بني آدم من أجناس الأمم من التّرك و الحبش و الزّنج و النّوبة و العرب و العجم و الفرس و الروم و الهند و السّند و الصين و النّبط و الزّطّ[١] و الأكراد و يأجوج و مأجوج و السّيسان و أمم أخر غير معروفة عند كثير من الناس. و كل هؤلاء مختلفو الألسن و الألوان و الأخلاق و الطباع و العادات و الأعمال و الأفعال و الصنائع و الآراء و المذاهب، من أهل المدن و القرى و السّوادات و السواحل و الجزائر و البراري نحو من سبعة عشر ألف مدينة تملّكها نحو من ألف ملك. هذا في الرّبع المسكون من الأرض، و على أن الأرض بجميع ما عليها من البحار و الجبال و البراري و الأنهار و العمران و الخراب ما هي- في فسحة سعة الهواء- إلّا كحلقة ملقباة في برّية صحراء، و فضل سعة كل واحد من الأفلاك التسعة على الهواء كفضل البرّية على تلك الحلقة. أ فترى أيها الملك أن الخالق تعالى ترك تلك الفسحة الواسعة من الفضاء، مع شرف جوهرها، و شرف جوهر تلك الأجرام، و طيب نسيم تلك الأماكن، فارغة خالية لم يجعل فيها أهلا و سكانا و خلائق تليق بها، و هكذا لم يترك البحار الأجاج الأمواه حتى خلق في قرارها الزاخرة أجناسا من الحيوانات، و أنواعا من الأسماك و الحيتان. و هكذا جوهر الهواء الرقيق
[١] -الزط: جبل من الناس يقال ان أصلهم من الهند، و يعرفون بالنور بفتح النون و الواو.