رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٧ - فصل
القوة و النشاط و الظهور و الانبساط، و جعل كل يوم يقوي هذا و يزيد و يضعف ذلك و ينقص، إلى أن يضمحل الأول المتقدم و يتمكن الحادث المتأخر.
و المثال في ذلك مجاري أحكام الزمان: و ذلك أن الزمان كلّه نصفه نهار مضيء و نصفه ليل مظلم، و أيضا نصفه صيف حار و نصفه شتاء بارد، و هما يتداولان في مجيئهما و ذهابهما، كلما ذهب هذا رجع هذا، و تارة يزيد هذا و ينقص هذا، و كلما نقص ذلك من أحدهما زاد في الآخر، حتى إذا تناهيا إلى غايتهما ابتدأ النقص في الذي تناهى في الزيادة و ابتدأت الزيادة في الذي تناهى في النقصان. فلا يزالان هكذا و هذا دأبهما إلى أن يتساويا في مقداريهما، ثم يتجاوزان على حالتيهما إلى أن يتناهيا إلى غايتيهما من الزيادة و النقصان، و كلما تناهى أحدهما في الزيادة ظهرت قوته و كثرت أفعاله في العالم و خفيت قوة ضده و قلت أفعاله.
فهكذا حكم أهل الزمان في دولة الخير و دولة الشر: فتارة تكون القوة و الدولة و ظهور الأفعال في العالم لأهل الخير، و تارة تكون القوة و الدولة و ظهور الأفعال لأهل الشرّ، كما ذكر اللّه، جلّ ثناؤه: «و تلك الأيام نداولها بين الناس» الآية.
و قد ترون أيها الإخوان، أيّدكم اللّه و إيانا بروح منه، أنه قد تناهت قوّة أهل الشرّ و كثرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان، و ليس بعد التناهي في الزيادة إلّا الانحطاط و النقصان.
و اعلم أن الملك و الدولة ينتقلان في كل دهر و زمان و دور و قران من أمة إلى أمة، و من أهل بيت إلى أهل بيت، و من بلد إلى بلد.
و اعلموا أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من أقوام خيار فضلاء يجتمعون في بلد و يتفقون على رأي واحد و دين واحد و مذهب واحد؛ و يعقدون بينهم عهدا و ميثاقا بأنهم يتناصرون و لا يتخاذلون و يتعاونون و لا يتقاعدون عن نصرة بعضهم بعضا، و يكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، و كنفس