رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٢٧ - فصل
فصل
و دون دائرة الهواء دائرة الماء و هي مستديرة حائطة بالأرض، و الهواء حائط بها فما ينشفه الهواء و يصعد به و يعرج معه بالبخارات الصاعدة مع لطائف الأمهات حتى يتصل بدائرة الزمهرير، و يسخن بحرارة الأثير، و تشرق الشمس عليه مع شعاعات الكواكب، فيصير مطرا و غيثا يغاث به أهل الأرض و يصير حلوا طيبا سائغا، لذّة للشاربين.
و منه ما يكون قبل صعوده ملحا أجاجا كالبحار المالحة و المياه النابعة من السّباخ- فانظر أيها الأخ هذه الحكمة، و تأمل هذه الصنعة، و انظر كيف يكسب الماء بطلوعه إلى دائرة الزمهرير و بعده من دائرة الأرض، و يتصل به و تشرق عليه هذه الطبيعة و اللذّة و الصفاء و اللطافة و المنفعة، و يصير مادّة للأجسام، و غذاء للأبدان، و حياة للنبات و الحيوان! و لو بقي على الحالة الدنيئة و الرتبة الناقصة لكان غير منتفع به.
و كذلك النفس إذا بقيت مع جسمها البالي و مكانها الدنيء لا تنال الفضائل التي بها تكون سعادتها و ارتقاؤها في رفيع درجاتها و ما تناله من اللذة و الطيب في دار المعاد بعد مفارقة الأجساد و عند النّقلة عن عالم الكون و الفساد.
فصل
و بعد دائرة الماء دائرة الأرض و هي التراب، و كيفيتها مستديرة، و لونها أسود، كثيفة جامدة، و على بسيطها مستقر الجثمانيّين، و على ظهرها إشراق أنوار الروحانيين، و في البقاع الطاهرة فيها مسكن النبيين و الصالحين، و هي مهبط الوحي و الملائكة المقرّبين، و في باطنها سكون المعادن، و في البقاع الطيبة يستقر الماء المعين الذي هو لذّة للشاربين، سطحها مما يلي الأفلاك هو