رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٩ - فصل
فصل
و اعلم أيها الأخ أن فعل الشكل المستدير يظهر فيما دونه أكثر و أظهر من كونه فيما فوقه و ما هو أوسع منه، كما أن فعل المياه الحلوة إذا انصبّت إلى البحار المالحة فإنها لا تؤثر فيها لقلتها و كثرة ماء البحار و اتساعها؛ و كذلك ضوء الشمعة إذا وردت إلى بيت فيه سراج فإنه لا يتميز الضوء السراجي من الضوء الشمعي لغلبته عليه، و كذلك ما هو أقوى و أبين من ضوء الشمعة إذا ورد عليها.
و على هذا القياس يكون فعل الشيء أبين و أقوى فيما دونه و ما هو مرتّب تحته. و لما كان ذلك كذلك صارت النفس غير فاعلة في العقل فعلا يغطّي على فعله و لا يظهر عليه، و صار العقل يفعل في النفس بالقوة و الفعل جميعا، لأنه يعطيها صورة التمام و الكمال، ففعله إياها بالقوة كونها هيولانية موجودة في أول وجوده و إبدائه إياها بالفعل إلى حيث تكون ذات الموجودات، فلذلك صارت أفعاله ظاهرة فيها و دائرته محيطة بدائرتها. و كذلك فعل النفس في الطبيعة بيّن ظاهر، إذ كانت هي المتممة لأفعال الطبيعة و المعطية لها الحسن و البهاء. فالعقل إذن من فعل اللّه فهو المحيط به و بما دونه، الباهر بنوره أنوار مخلوقاته كلها، فهي منحصرة عن إدراكه انحصار الوقوف عن الإحاطة به بحيث أوقفها، لا نفاذ لها من أمره و لا خروج عن حكمه، كما قال جل اسمه: «و هو القاهر فوق عباده». و هو المرتّب لها مراتبها، و معطيها صور البقاء و الكمال و التمام، سبحانه لا إله إلّا هو رب العرش العظيم و الكرسي الذي وسع السماوات و الأرض.