رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٣ - فصل
فصل
اعلم يا أخي أن العلوم كلّها شريفة فيها عزّ، و لكن أشرفها و أجلّها هي معرفة الإنسان حقيقة جوهره و ما تتصرف به الأمور حالا بعد حال إلى أن يبلغ إلى أقصى مدى غايته الذي هو قاصد نحوه و هو أن يلقى ربه، إمّا في الدنيا قبل فراقها، و إما في الآخرة بعد الفراق.
و اعلم يا أخي أن هذا الباب من العلم هو لبّ ذوي الألباب، و جذر العلوم و عنصر الحكمة، فاجتهد في طلبه فإنك به تنال شرف الدنيا و سعادة الآخرة. و قد بيّنا طرفا من هذا العلم في رسائلنا الطبيعية، و وصفنا فيها كيفيّة ما يتصرف به الإنسان من الأمور حالا بعد حال من يوم مسقط النّطفة إلى يوم يموت و تفارق روحه جسده. و قد بيّنا أيضا طرفا في رسائلنا العقلية مما تصير إليه الأنفس الجزئية بعد مفارقة أجسادها، و وصفنا كيفيّة ما تتصرف بها الأحوال إلى يوم يبعثون. و نريد أن نذكر في هذه الرسالة أشرف الأمور التي ينالها الإنسان في الدنيا و أعلى رتبة يبلغ إليها قبل الموت، ما هي؟ و لكن قبل ذلك نحتاج أن نبيّن أولا ما الإنسان، إذ كان هو من أعجب الموجودات التي تحت فلك القمر، و أشرفها تركيبا، و أحسنها صورة، ثم نخبر بعد ذلك عن الأمور التي ينالها و يبلغ إليها فنقول:
إن الإنسان إنما هو جملة مجموعة من جسد جسماني في أحسن الصّور، و من نفس روحانية من أفضل النفوس. و اعلم يا أخي أن لكل واحد من جزأيه غاية إليها ينتهي، و نهاية إليها يرتقي. فأعلى رتبة ينالها الإنسان بجسده، و أشرف رتبة يبلغها ببدنه، هي سرير الملك و العز و السلطان على أجساد أبناء جنسه، و القهر و الغلبة بالقوّة الغضبية. و أما أعلى رتبة ينالها الإنسان من جهة نفسه، و أشرف درجة يبلغها بصفاء جوهرها، فهي قبول الوحي الذي به يعلو الإنسان على سائر أبناء جنسه، و به يغلبهم بما يدرك من المعارف