رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٦٢ - صفة العموديا للهوام
و اتباعا لهم، فهذا جواب مختصر.
فقال له السائل: لم لم تفصح بهذا العلم الشريف لينتفع به الخلق؟
فقال: لو فعلنا ذلك لعظم ضرره و بطل أيضا، فإنّا إنما نفصح بعمل روحانيات العالم الأصغر في رسالتنا هذه، بل أشرنا إليه إشارة فحسب لا غير حذرا أن تقع الرسالة في يد غير مستحق، فيهلك الحرث و النسل، و يفسد النساء، و يهتك الحرم، فلذلك ألغزناه و أعجمناه. و أنت أيها الأخ إذا صفا جوهرك و أمنت خبيثتك انفتح عليك من هذا العلم ما يسرك، فلا تبعه إلّا كما اشتريت، و ابخل به على الولد و الوالد، إلّا أن يأخذا له كما أخذت أنت، و يصفو جوهرها كما صفا جوهرك أنت، فيبلغا ما بلغت من غير أن تعطيهما أنت شيئا.
و اعلم يا أخي أن الحكماء إنما وضعوا الحكم لإحكام أعمالهم و إتقانهم لها و أنهم لم يضعوا شيئا من أعمالهم في غير موضعه و لا فعلوا فعلا لا معنى له، و لا أحدثوا من ذواتهم شيئا يكون الضرر فيه أعمّ من النفع. و لو فعلوا ذلك لم يكونوا حكماء، فكيف أحكم الحاكمين و أحسن الخالقين خالقهم و موجدهم و مؤيّدهم أن يفعل ما يؤدّي إلى الضرر و الفساد، و لغير معنى، و ما قصد فسادا و ما خلقه لإضرارنا «تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا» و هو يقول، عز من قائل: «و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلّا بالحقّ».
و إذا تأمّلت هذه الحكمة و تدبّرت هذه الصنعة، و عرفت هذا السرّ، و رأيت حقيقة هذا السّحر الذي يسحر العقول، بانت لك الأشياء بحقائقها، و تعلمت كيف تسحر الناس و كيف تصير القلوب إليك، و تبيّن لك ما خفي عنها، لما عميت الأنباء عن الضالّين الغافلين.
فانتبه يا أخي من نوم الغفلة و رقدة الجهالة، و أيقظ من قدرت عليه من