رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٦١ - صفة العموديا للهوام
إجابة الناس إلى الخديعة لا إلى العلم الذي به نجاة أنفسهم. و كان يفوتهم الغرض الذي جاءوا فيه الذي هو نجاة الأنفس، لأن الأنفس ما كانت تصفو بما يكون فيه خديعة و مكر، إذا كانت تتخلص من عالم الكون و الفساد، و لأن هذا العلم فوائده مختصّة بالعلم الأرضي، و الأنبياء، :، فهم دعاة إلى العالم العلويّ الذي هو أعلى من عالم الأفلاك فلذلك لم يستعملوه أيضا.
و أيضا فلم يجز لهم أن يضيفوا إلى تأييد اللّه و وحيه بوساطة الملائكة المقرّبين حيلة بشرية و لا نيرنجية فلكية. و يجوز لأمثالنا نحن استعمالها في مصالح دنيانا، و لا يجوز لهم، لأنهم، في شرفهم و علوّ منازلهم، مستغنون عمّا نحن مفتقرون إليه، و لشدّة تحرّزهم و تنزيههم أنفسهم عن أفعال البشر قد شهدوا أحوالهم الدنيوية مضيقة عليهم مع معرفتهم و علمهم بصناعة الكيمياء.
و هذه الخصلة، يقال حلالها حساب و حرامها عذاب، كذلك جماعة أصحاب الشرائع جرى أمرهم فلزموا التزهّد و التقشف، و الجشب[١] من العيش، و ألزموا أنفسهم ذلك، و حرّموا عليها الطيبات، كذلك ليفعل الناس كفعلهم و يقتدوا بهم. قال اللّه تعالى: «كل الطعام كان حلّا لبني إسرائيل إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه» فلهذا لم يفعلوا، لأن هذه المحرّمات كلها إنما تجري مجرى الحمية التي أمرنا الطبيب الحاذق المشفق باستعمالها لصحة أجسامنا، لتبقى في الدنيا المدة المقدرة لها. و الأنبياء، :، هم أطبّاء النفوس المريضة بجهلها التي لا تصلح للعالم العلويّ، إلّا بعد تصفيتها من أدناس الطبيعة، فحموها من هذه الأشياء التي حرّموها، ليكون شفاؤها من جهلها، و صحة لها لصورتها الباقية، شفقة علينا و رحمة بنا، فاقتدى بهم في سنتهم في ذلك خلفاؤهم و ذريّتهم التي هي الحبل الممدود مع الكتاب الذي لا انفراد لهم عنه إلى الحوض، كما أخبر النبي، فلم يفعلوا أيضا مع علمهم و معرفتهم اقتداء بالرسل
[١] -الجشب: الغليظ الخشن.