رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٠ - فصل
فقد بان بما وصفنا كيفيّة مرتبة الحيوانية مما يلي النبات، فنريد أن نذكر و نبيّن كيفيّة مرتبة الحيوانية مما يلي الإنسانية فنقول: إن رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانيّة هي ليست من وجه واحد، و لكن من عدّة وجوه، و ذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدن الفضائل و ينبوع المناقب لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان، و لكن عدّة أنواع: فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة الجسدانية مثل القرد، و منها بالأخلاق النفسانية مثل الفرس الكريم الأخلاق، و مثل الطير الإنسي الذي هو الحمام، و مثل الفيل الذكي القلب، و مثل الهزار و الببغاء الكثيرة الأصوات و الألحان و النغمات، و مثل النحل اللطيف الصنائع و ما شاكل هذه الأجناس: و ذلك أنه ما من حيوان يستعمله الناس أو قد أنس بالإنسان إلّا و له في نفسه شرف قرب من نفس الإنسانية.
و أما القرد فلقرب شكل جسده من جسد الإنسان صارت نفسه تحاكي أفعال النفس الانسانية و ذلك مشاهد منه متعارف بين الناس.
و أما الفرس الكريم فإنه قد بلغ من كرم أخلاقه أن صار جسده مركبا للملوك فإنه ربما بلغ من حسن أدبه أن لا يبول و لا يروث ما دام بحضرة الملك أو هو راكبه، و له أيضا مع ذلك ذكاء و إقدام في الهيجاء، و صبر على الطعن و الجراح كما يكون للرجل الشجاع كما وصف الشاعر:
|
و إذا شكا مهري إلي جراحة، |
عند اختلاف الطعن، قلت له: اقدما![١] |
|
|
لما رآني لست أقبل عذره، |
عضّ الشكيم على اللجام، و حمحما |
|
و أما الفيل فإنه يفهم الخطاب بذكائه و يمتثل الأمر و النهي، كما يمتثل العاقل المأمور المنتهي.
فهذه الحيوانات في آخر مرتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية لما يظهر منها
[١] -اقدما: أي أقدمن، فقلب نون التوكيد الفا في حال الوقف.