رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧١ - فصل في ماهية الإخلاص
معاونتهم، و لا قوّة لأحد على دفع ما ورد عليهم إلّا اللّه، عزّ و جل، و لا تتعلق قلوبهم بسبب من الأسباب إلّا أن يكون فيها إنسان يعرف أحكام النجوم، و قد عرف ما العلة الموجبة لما هم فيه من مناحس الفلك، و يعلم أن النحس دافع تدبيره إلى سعد من السعود، و يكون قلبه متعلقا به، فإنه و ان كان يدعو ربّه، لا يكون دعاؤه مخلصا، حتى يتبين أن النحس مستمر، أو دافع التدبير إلى نحس أشرّ منه، فعند ذلك يقطع رجاءه من النجوم فيكون دعاؤه بالإخلاص.
و اعلم يا أخي أن مثل هذه الأحوال التي ترد على بني آدم و فزع العقلاء إلى اللّه تعالى و دعاء العارف لهم بالكشف عنهم ما ورد عليهم، يكون فيها تلقين للجاهلين بالله، و هداية للنفوس إلى معرفته، فيعلمون عند ذلك، بنظرهم إلى العقلاء في دعائهم و تضرعهم إلى اللّه بالكشف عنهم ما هم فيه، أن لهم إلها جبّارا عالما قادرا يسمع دعاءهم و يعلم ما هم فيه، و هو قادر على نجاتهم، يراهم و إن كانوا لا يرونه، و لا يدرون أين هو.
و على هذا القياس كلّ ما يصيب الناس من الجهد و البلاء فيضطرهم ذلك إلى الدعاء و التضرع إلى اللّه، عزّ و جل، مثل الغلاء و الوباء و آلام الأطفال و مصائب الأخيار و ما شاكلها من الأمور السماوية التي لا سبيل لأحد في دفعها عنه إلّا اللّه تعالى، فيكون ذلك دلالة لهم على اللّه، عزّ و جل، و هداية إليه، كما قال: «أمّن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء و يجعلكم خلفاء الأرض أ إله مع اللّه قليلا ما تذكّرون».