رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠٠ - فصل
وجود الخلقة، و هي الدائرة الأولى الحاوية لجميع ما كان منها و لذلك قيل له السابق.
و كذلك دائرة النفس كالثاني التالي للسابق لما بعده، و هي تالية الأول.
ثم الثالثة و هي كالهيولى، و الرابعة و هي كالطبيعة. و كذلك الدوائر الكائنة عن هذه الأصول حتى تكون آخرها دائرة الأرض. و لكل واحد من هذه الحدود الروحانية فعل يختص به فاعله لا يتعداه، بما جعله الباري سبحانه فيها، و أودعه إياها. و نريد أن نبين من ذلك طرفا يكون دليلا على ما قلناه و برهانا على ما وصفناه.
و اعلم أيها الأخ البارّ أن الباري سبحانه أوجد الزوجين الأولين اللذين هما أبوا الموجودات كلها بأسرها، و هما الدائرتان المحيطتان بما في عالم العلو و السّفل، إحداهما حائطة و الأخرى محوطة. فالدائرة الأولى موصوفة بالفعل الصادر عنها و هو التمام و الكمال و الفضل و الفيض و الرحمة و الرأفة، و ما ينحط من دائرتها على ما دونها من الخيرات و البركات، مما يستمده و يتلقاه و يفاض عليه و يلقى إليه، و هي الفيضان الفاعلة فيه بما ينطبع في جوهريته المحضة المعرّاة من الشوائب المتغيّرة، فلذلك صار لا يتبدل ما عنده و لا يتغيّر لدوام ملاحظته لتلك الأمور الإلهية التي لا تبديل لها و لا تغيير كما قال اللّه تعالى:
«لا تبديل لكلمات اللّه». فهي باقية على حال الانفراد بالبقاء و الكون تحت القدرة العظمى، و بإشراقها على دائرته أضاءت ذاته فصارت مشرقة بأنوار الجبروت الممجّدة بالصفة المتخصّص بها، المباين بما في ذاته منها عما يوجد فيما دونه، و بها يصل إلى تمجيد مبدعه و تنزيه خالقه بالتبري عما يشاهده في ذاته، و يلاحظه في موجوداته، و أن يكون ذلك بحوله و قوته، و إن كان هو المحيط بها و الخاص لها إحاطة الإحصاء و العد، لأن الفعل منه إنما هو بحسب ما يفعل فيه و يجود به عليه من الجود الذي به صار في حد الوجود، و بجوده صار مبدأ وجود كل موجود. و لذلك سمي عقلا لأنه عقل صور الموجودات بأسرها،