رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠١ - فصل
و جاد عليها بخصائصها، و ترتيبه لها في مواضعها، و تكوينه إياها في أماكنها، فهو بالإشراق المشرق عليها و بما فاض عليها يتدلى إليها، و بتحننه عليها و رأفته بها يكون القرب من علة الممنون عليه، و هو لا ينفد ما عنده إذ كانت المادة متّصلة غير منفصلة، و لو كانت فيضا لتأدى منه إلى من دونه من ذاته غير مكتسب لها و لا محتاج إليها. بل هو واجد لها من ذاته على الدوام، و لو كانت هذه لكمال ما في ذاته، لكان لا فرق بينه و بين علّته الموجد له، و لكان غير محتاج إليها، بل غنيّا عنها بما في ذاته و لم يتغيّب عنه كلّيّة المعرفة بها، تعالى اللّه عن إحاطة مخلوقاته بكنه فيضه؛ و إنما هو، جلّ ذكره، مفيض ما يشاء من قدرته و أمره على إبداعه الذي ارتضاه لخالص عبوديته و الإقرار بلاهوتيته، و بدوام استمداده، و دوام تسبيحه و تقديسه و تمجيده، فهو بذلك يدرك بغيته و ينال لذاته التي هي غاية أنسه و روح قدسه، و روحه و ريحانه، فهو بحسب كرامة اللّه له مرتبة في أفق المحيط به و هو الأمر، و هو لا يبلغ الإدراك بكليّة الأمر، و إنما يدرك من ذلك ما جعل فيه من صور الموجودات التي هو محيط بها، و مخرج لها من القوّة إلى الفعل.
و لما كان العقل كذلك كانت النفس غير حائطة بكلية ما في العقل بلا واسطة له بكمال صفاته الموجودة إلّا ما أمدها به و أفاضه عليها الشيء بعد الشيء.
و لو كانت قابلة لجميع ما فيه دفعة واحدة لكانت لا فرق بينها و بينه، و لا فضل له عليها، لاتساعها لما وسعه، و إحاطتها بما بلغه. و إنما هي حائطة بما دونها كإحاطة العقل بها، فدائرة النفس محيطة بما هو موجود فيها عند بدء كونها من علتها، و هي ذاتها، و ما بدا عنها من موجوداتها، و فيها قبول ما يلقى إليها و يفاض عليها، و فعلها الخاص بها ما انبعث منها و صدر عنها من القوة الطبيعية بما جعلت فيها من الصور المنطبعة بالنفس في الهيولى، و غير محيطة بكلية ما في العقل من الصور المعرّاة و الجواهر المبرأة من الهيولى إلّا بما يلقيه إليها و يمدها به.