رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٦ - صفة العموديا للهوام
قال التلميذ: قلت للحكيم: وجدت في ذلك الكتاب مع قوّة روحانية هذا الكلام الذي يتكلم به على الدّخنة للبهيمة التي لا تعقل، و ما معنى الكلام بحيوان لا عقل له و لا فهم، و أن الحكيم الأول قطع الكلام على نيرنجات العالم الأصغر لتركّب عقله و فهمه، فما باله وضع ذلك الحيوان الذي لا عقل له؟ فأجابه الحكيم: هذا الكلام لم يوضع لشيء مما ذكرت، و لم يقسم على العقل و الفهم، و قد وجدت في الكتاب المخزون أن جواهر الكواكب التي وصفت لك مأخوذة من الروحانية الأولى المؤلفة في تركيبك الذي هو الإنسان، لأنه لا يتمّ إلّا بتحريك منك، فجعل ذلك الكلام لك لا للغير، هذا من أسرار العلماء، فاحفظه و لا تخرجه إلى الغير، فإنه يكون فسادا عظيما، و تحت ما أخبرت لك كنز عظيم. و إن وفّقت لفهمه و إنما هو لك لا للحيوان، و لا للعالم الأصغر، لأنه لا يتمّ إلّا بتحريك منك، فجعل ذلك الكلام لك لا للغير، و هذا من أسرار العلماء.
و اعلم أيضا أن جواهر الكلام و روحانيته أمران جمعا جميعا، فانقادت لهما الروحانية المستجنّة في الأجسام من العالم الأصغر، و تلك الروحانية في ذاته سامعة عاقلة. و مما يدلك على أن هذا الكلام لم يوضع على معنى ما قلت أن النّيرنجات التي تعملها للعالم الأصغر إنما يتكلم عليها من حيث لا يسمع الإنسان و لا يبصره، و من لم يسمع شيئا و لم يبصره و لم يفهمه، فإنما تصل إلى روحانيته الكامنة في جسمه أرواح تلك الأخلاط، و الكلام من حيث لا يعقله و لا يفهمه و لا يراه. ثم يتحرّك ذلك في باطنه بالمعنى الذي عمل له من الحب و البغض و العقد و الحلّ و نحو ذلك، و كذلك الحيوان المتحرك أيضا إنما تصل تلك الأرواح إلى روحانيتها المستجنّة فيها من حيث لا تفهم و لا تعقل و لا ترى، هذا إن صدقت روحانيتك و لم ترتب فيما تفعله، فتسوقها إلى ذلك المكان، دعت إليه طائعة لروحانيتها الخبيثة، و ليس هذه النّيرنجات المعمولة على الحيوان المتحرّكة بأعجب من النيرنجات المعمولة على العالم الأصغر،