رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٠٤ - فصل
بالإنسان بنية مخصوصة، أو قال: مزاجا معلوما، أو قال: تأليفا ما، فيقال له: أخبرنا أيّ بنية تعني و أيّ مزاج، بيّن لنا؟ و إنّا قد نرى بنية بدن الزنجي مخالفة لبنية بدن التركي، و مزاج الطفل مخالفا لمزاج الشيخ، و تأليف بنية المفلوج الزّمن[١] مخالفا لبنية السليم الصحيح، و طبع العليل مخالفا لطبع الصحيح، و كلّهم إنسان لا يختلفون في الإنسانية مع اختلاف هذه الأحوال. فبيّن لنا ما ذلك المعنى الذي كلهم فيه بالسّويّة إن لم يكن للنفس حقيقة و لا وجود؟ فإن قال: الروح؛ فهو الذي نسمّيه نفسا، و إنما الاختلاف هو في العبارة و لا ضير إذ قد اتفقنا في المعنى. فإن قال: إن الجسم يفعل هذه الأفعال بكون الروح فيه، و لكن الروح عرض من الأعراض، فقد ناقص و ادّعى بأن ما لا فعل له يجتمع مع ما له فعل، فيكون فاعلا، فهو المطالب بالدليل على دعواه! و لم يصحّ للقائلين بهذه الدعوى دليل برهاني يقيني إلى يومنا هذا، إلّا شبهات و دعاوى، و المنازعة قائمة بذاتها. فإن قال بأنه إذا دخل في الجسم عرض من الأعراض، فإن اللّه تعالى يحدث عند ذلك فعلا، فقد ناقض مذهبه، و أقر بخلق الأفعال بعد ما كان منكرا لها إن كان من أهل الاجتهاد، و إن كان ممن يقول بطريق السمع، فالأمر سهل لأنه قد وردت أخبار كثيرة في تصحيح وجود النفس و الروح، و آيات كثيرة في القرآن تنطق بها، و إن كان كلامنا مع من يردّ دلائل العقل و حجج الجدل.
[١] -الزمن: صاحب العاهة.