دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٦ - ثالثا وضع الحديث
وكثرت الأحاديث الموضوعة وتداولها الناس منسوبة الى النبيّ صلى الله عليه و آله، بحيث تجعله يقول أو يفعل شيئاً، مما كان بعد ذلك العصر من الامور المستحسنة، وظهرت في الحديث أقوال مأخوذة من أقوال الرسل والأناجيل المنحولة، ومن الآراء الإسرائيلية والعقائد الفلسفية اليونانية، إلخ. تلك الآراء التي لقيت الحظوة عند فريق معين من المسلمين، ونسبت كل هذه الأقوال الى النبيّ صلى الله عليه و آله، ولم يتورع الناس عند ذاك أن يجعلوا النبيّ صلى الله عليه و آله يفصّل على هذا النحو القصصي ... التي وردت موجزة في القرآن، ويدعو الى آراء ومعتقدات جديدة، إلخ. بل كان كثير من هذه الأحاديث الموضوعة المنسوبة الى النبيّ صلى الله عليه و آله تتناقل الأحكام، كالحلال والحرام والطهارة، وأحكام الطعام والشريعة، وآداب السلوك ومكارم الأخلاق، والعقائد ويوم الحساب والجنة والنار ... الخ. ومع مضي الزمن إزداد ما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله من قول أو فعل شيئاً فشيئاً في عدوه وغزواته، وفي القرون الاولى التي تلت وفاة الرسول صلى الله عليه و آله عظم الخلاف بين المسلمين على جملة من الآراء في مسائل تختلف طبائعها أشد الاختلاف، وعملت كل فرقة على تأييد رأيها على قدر ما تستطيع بقول، أو تقرير منسوب الى النبيّ صلى الله عليه و آله. ومن استطاع أن يرد رأيه الى أثر من آثار النبيّ صلى الله عليه و آله، فهو على الحقّ من غير شك، ولهذا كثرت الأحاديث الموضوعة المتناقضة أشدَّ التناقض في سُنَّة محمد صلى الله عليه و آله.
وفي الخلافات الكبيرة التي نشأت عن العصبية جرى كل فريق على التوسل بمحمّد صلى الله عليه و آله ... فمثلًا أنَّه قد نسب الى النبيّ صلى الله عليه و آله قول ينبأ به بقيام دولة العباسيين، وجملة القول إنّهم جعلوه يُنَبّأ على نحو تخرج فيه الرؤية بالنبوة بما جرى بعد ذلك من حوادث سياسية وحركات دينية، بل بالظواهر الاجتماعية الجديدة التي نشأت من الفتوح العظيمة.