دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٢٢ - المثل الأعلى في سيرة أهل البيت عليهم السلام
معصية واحدة من معاصيه، فقال:
يا إلهي لو بكيت إليك حتى تسقط أشفارُ عيني، وانتحبتُ حتى ينقطع صوتي، وقمتُ لك حتى تنتشرُ[١] قدماي، وركعت لك حتى ينخلع صُلبي، وسجدتُ لك حتى تتفقأ حدقتاي، وأكلت تراب الأرض طول عمري، وشربتُ ماء الرماد آخر دهري، وذكرتُكَ في خلال ذلك حتى يكلّ لساني، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياءً منكَ ما استوجبتُ بذلك محو سيئةٍ واحدة من سيئاتي[٢].
ويعلّمنا عليه السلام وجوب مراعاة حقوق الآخرين، ومعونتهم والشفقة والرأفة عليهم تحقيقاً لمعنى الاخوة الإسلامية فيقول:
اللهمّ إني أعتذر إليك من مظلوم ظُلِمَ بحضرتي ولم أنصرهُ، ومن معروفٍ اسديَ إليَّ فلم أشكرهُ، ومن مُسيء اعتذرَ إليَّ فلم أعذره، ومن ذي فاقةٍ سألني فلم اؤثره، ومن حقّ ذي حقٍّ لزمني لمؤمن فلم اوفرهُ، ومن عيبِ مؤمن ظهرَ لي فلم استرهُ ...[٣].
ويقول في بيان العفو عمن أساء إليك ويحذرك من الإنتقام فيقول: اللهمّ وأي عبدٍ نالَ مني ما خطرت عليك وانتهك مني ما حجرت عليه، فمضى بظلامتي ميتاً أو
[١] - تنتشر: تنتفخ، فمن علامات الميت نشر منخريه، أيارتفاعها وانتفاخها.
[٢] - الدعاء ١٦ من الصحيفة السجادية. يجب أنْ يعلم أن استغفار الأنبياء والأئمة عليهم السلام لا يعني إرتكابهم ذنباً، وطلبهم المغفرة من اللَّه تعالى عليه وإنّما هو شيء آخر وإيضاحه هو أنَّ أوقاتهم عليهم السلام كلها معمورة بذكر اللَّه وقلوبهم مشغولة وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى وهم ابداً في المراقبة التامة ومحاسبة النفس حيث ورد عنهم عليهم السلام: اعبد اللَّه كأنَّك تراه، فإن لم تره فإنَّه يراك. ولهذا فَهُم عليهم السلام دائماً وأبداً متوجهون إلى اللَّه تعالى ومقبلون بكليتهم عليه، وانّهم عليهم السلام إذا ما نزلوا عن هذه المرتبة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه، ألا ترى أن عبيد أبناء الدنيا لو قعد أحدهم يأكل ويشرب وينكح وهو يعلم أنَّه بمرآى ومسمع من سيده لكان ملوماً عند الناس ومقصراً فيما يجب عليه من حرمة سيده ومالكه، فما ضنك بسيد السادات ومالك الأملاك، ولهذا يشير الحديث الشريف:« حسنات الأبرار سيئات المقربين»، ولهذا يجب أن يفهم أن استغفارهم صلوات اللَّه عليهم ليس كاستغفار غيرهم ممن إنغمسوا في ملذات الدنيا وحكموا بآرائهم ونبذوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم، فتأمل هذا ولا تكن من الغافلين ولا تذهب بك المذاهب فقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:« انه ليران على قلبي وإني لاستغفر في النهار سبعين مرة» فهذا ليس ذنباً حاشاه وإنما محمول على ما تقدم. مصابيح الأنوار ٢: ٤٣٨ بتصرف.
[٣] - الدعاء ٣٨ من الصحيفة السجادية.