دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٢٨٨ - ما بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام
منه:
... ولقد تعجبنا لتوثّب المتوثبين علينا في حقّنا، وسلطان بيتنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، أمسكنا عن منازعتهم مخافةً على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساد. فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثبكَ يا معاوية على أمرٍ لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولكتابه، واللَّه حسيبك، فسترد عليه وتعلم لمن عُقبى الدار، وباللَّه لتلقينَّ عن قليل رَبّك، ثم يجزينّكَ بما قدمت يداك، وما اللَّهُ بظلامٍ للعبيد.
إنَّ علياً لما مضى لسبيله (رحمة اللَّه عليه يوم قُبض ويومَ منَّ اللَّه عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّاً) ولّاني المسلمون الأمرَ من بعده، فاسأل اللَّه أن لا يُؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة، وانّما حملني على الكتابة إليك، الإعذار فيما بيني وبين اللَّه عز وجل في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخَل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم إنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند اللَّه وعند كل أوّاب حَفيظ، ومَنْ له قلبٌ منيب، واتقِ اللَّه، ودعْ البغي، واحقن دماء المسلمين فواللَّه مالك خير في أنْ تلقى اللَّه من دمائهم بأكثر مما أنتَ لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحقّ به منك، ليطفي اللَّه النائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنتَ أبيتَ إلّاالتمادي في غيّك سرتُ إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم اللَّه بيننا وهو خير الحاكمين[١]
فأجابهُ معاوية بقوله: «إني أكبرُ منكَ سِنّاً وأقدم منكَ وأطول منك ..!!» ثم أجاب ثانياً بقوله: «أما بعد، فإنَّ اللَّه يفعل في عباده ما يشاء، لا معقِّبَ لحكمه وهو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس
[١] - شرح النهج لابن أبي الحديد: ٤/ ١٢.