دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٣٦ - الخلافة و الإمامة عند المسلمين
القرآن في شيء كما هو واضح، بل القرآن يمنع أن يكون الخليفة ظالماً فاسقاً[١].
وفي مقابل هذا القول يوجد قول آخر لطائفة اخرى من المسلمين يدّعون أنَّ الرسول صلى الله عليه و آله قد عَيّن الخليفة من بعده بنصوص كثيرة،- سوف تأتي فيما بعد- بل عيّن خلفاءه إلى يوم القيامة بذكر الروايات على عدد الأئمة الاثني عشر كما رواها أهل السنّة، كما ذكروا أوّلهم وآخرهم وأنَّهم من ولد فاطمة
[١] - قال تعالى:« لا ينال عهدي الظالمين» البقرة: ١٢٤.
وتقريب الاستدلال بهذه الآية الشريفة: إنَّ الظالم لا يمكن أن يكون إماماً حتى لو كان عادلًا في إمامته وأنَّ ظلمه سابق على الإمامة مما يطول به المقام إلّاأننا يمكن ضغطه واختصاره بكلمات موجزة، فنقول:
قال تعالى:« وإذ ابتلى ابراهيمَ ربُّه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين».
ومما يلحظ على الكائن البشري بطبيعته البشرية أنَّه لا يخلو من واحدة من أربع صفات:
الاولى: أن يكون ظالماً في حياته كلها منذ الإدراك وحتى الوفاة.
الثانية: أن يكون عادلًا في أوّل حياته ظالماً عند تسلمه السلطة والإمامة. وهذان الصنفان لا يمكن لأيمسلم عاقل في هذا الوجود أن يقبل بزعامة ورئاسة أيمنهما لما في ذلك من فساد عظيم في تولية امور الناس وحكمهم، فكيف يعقل مع هذا أن يدعو إبراهيم خليل الرحمن ربه ويطلب منه أن يجعل الإمامة في أحد هذين الصنفين من ذريته؟ إذن فالأمر مفروغ منه أنه عليه السلام في قوله:( ومن ذريتي) لا يعني هذين الصنفين شرعاً وعقلًا.
الثالثة: أن يكون ظالماً في أوّل حياته عادلًا عند تسلمه الإمامة.
الرابعة: أنّ يكون عادلًا في حياته كلها لم يكفر باللَّه طرفة عين.
وعلى هذا فيمكن أن نقول بكلِّ ثقة واطمئنان بأنَّ إبراهيم عليه السلام طلب من ربّه تعالى أن تكون الإمامة في هذين الصنفين- الثالث والرابع- لا غير بقوله:( ومن ذريتي).
ولكن جاء النفي المؤبد ممن يعلم غيب السموات والأرض بقوله العزيز:« لا ينال عهدي الظالمين».
إذن لم يبق غير الصنف الأخير- الرابع- الذي رُشِّح من اللَّه تعالى لمنصب الإمامة وهو من وُلِدَ على الإيمان وفُطِمَ على الإيمان أما غيره فلا، وهذا ما تقول به الشيعة الإمامية إنطلاقاً من فهمهم لهذه الآية الكريمة.
وقد يستشكل على ذلك بأنَّ الخلفاء الامويين والعباسيين لم يكفروا باللَّه اذ لم يكونوا مشركين أصلًا.
وجوابه: إن سيرتهم بما قدمناه كاشفة عن عدم عدالتهم وظلمهم الناس بغير حقّ مع مخالفتهم الصريحة لكتاب اللَّه عز وجل وسنة نبيه.
وعليه فإنّ المرشح الوحيد على ضوء هذا الاستدلال للإمامة وخلافة المسلمين هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بلا فصل، فضلًا عن عشرات الآيات الاخرى والأحاديث الكثيرة الناصّة على ذلك.