دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٦٧ - سبب تأليف الكتاب
لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سُنّة رسول اللَّه؟ فوقع ذلك في قلبي؛ فأخذت أجمع الجامع الصحيح، وخرّجت الصحيح من ستمائة ألف حديث»[١]. ولكن روى عنه الاسماعيلي أنَّه قال: «لم اخرج من هذا الكتاب إلّاصحيحاً وما تركتُ من الصحيح أكثر»[٢] وقال: «احفظ مائة الف حديث صحيح واحفظ مائتي الف حديث غير صحيح»[٣].
أقول: إذا صحّت هذه الروايات عن البخاري، فيكون قد أساء بتركه لذكر كل ما صحّ عنده من الأحاديث، ولعلّ الأحاديث الصحيحة التي عنده وقد تركها، فيها المقيدات والمخصصات لما اورده في كتابه، وقد يكون ما تركه من الحديث الصحيح مخالفاً للسلطة الحاكمة آنذاك وله دخل في حياتنا اليومية من عبادات أو غيرها، أو له دخل في سلوكنا الخارجي الذي يُمثّل ثقافة اسلامية نتميز بها عن الآخرين. والخلاصة لو أنَّه دوّن ما تركه من الحديث الصحيح لغيَّر وجه السُنَّة التي يجري عليها فقهاءُ الجمهور.
وإذا كانت المائتا ألف حديث المتروكة لعدم صحتها، فما ذنب أكثر من تسعة أعشار الحديث الصحيح الذي عرفه البخاري حتى يترك؟! إذ المعروف أنَّ ما في كتاب البخاري أقل من عشر هذا العدد.
بل وحتى خُمس المليون حديثاً الذي تركه، لو كان قد دونه مع التنصيص على أنَّه ضعيف، لأسدى بذلك خدمة جليلة لعلماء الحديث، وأوقفهم على كثير من أسباب الضعف التي كان يراها البخاري في هذا العدد الجم، ومن ثم الإستفادة من تلكم الأسباب، إذ لعلّ الناظر فيها يستطيع تطبيقها على جملة من
[١] - مقدمة فتح الباري: ص ٤ عنه أضواء على السُنَّة المحمدية: ص ٣٠٠.
[٢] - مقدمة فتح الباري: ص ٤ عنه أضواء على السُنَّة المحمدية: ص ٢٩٩.
[٣] - هدى السّاري: ٢/ ٢٠١ عنه أضواء على السنة المحمدية: ص ٣٠٠.