المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٢٦ - اختلاف المجتهدين في الفتاوي
أصلًا و عن أن هذا ليس اختلافاً في الأحكام الواقعية الإسلامية، و إنما هو اختلاف في الأحكام الاجتهادية التي هي، وليدة أفكار المجتهدين في اطار اسلامي، و هي قد تطابق الأحكام الواقعية و قد لا تطابق. و قد تقدم أن الاجتهاد مهما بلغ مداه من الصحة لا يملك مطابقته لواقع التشريع الإسلامي، و لكن مع ذلك طابع إسلامي لما عرفت من أن الاجتهاد من النصوص التشريعية للكتاب و السنة في الحدود المسموح بها شرعاً لا محالة يتمتع بطابع إسلامي. نعم يفترق هذا الطابع الإسلامي عن الطابع الإسلامي لواقع التشريع في نقطة و هي أنه في الأول ظاهري، و في الثاني واقعي، و لأجل ذلك يقع الخلاف فيه، دون الثاني. و من هنا يظهر بوضوح أن الاجتهاد ليس وليد أفكار المجتهد فحسب، و منعزلًا عن التشريع الإسلامي تمام الانعزال، و في زاوية أخرى مقابل زاوية التشريع، بل له حظ التشريع الإسلامي الظاهري. و أن شئت قلت: بعد ما عرفنا من أن الاجتهاد عنصر أساسي في الإسلامي في كل عصر فهو بذاته يتطلب الاختلاف بين المجتهدين فلا يمكن افتراض الاجتهاد في المسائل الفقهية و أعمال النظر و الرأي فيها بدون الاختلاف، فإنه خلف. و كذلك الحال في كافة العلوم النظرية: كعلم الفلسفة و علم الطب، و الهندسة، و ما شاكل ذلك.
نتائج هذه البحوث عدة نقاط
الأولى: أن عملية الاجتهاد و الاستنباط موجودة في عصر التشريع على طول الخط،
غاية الأمر أن هذه العملية ذلك العصر كانت عملية بسيطة و غير معقدة، و الممارس لها في ذلك غير ملتفت و واع إلى طبيعة القاعدة الأصولية و حدودها، و أهمية دورها في هذه العملية.
الثانية: أن عملية الاجتهاد في عصر الغيبة قد أصبحت عملية معقدة و صعبة فتواجهها الشكوك و الأوهام
من مختلف الجهات التي تنبع من الفصل الموجود بين هذا العصر و عصر التشريع، و قد عرفت أن الوصول إلى مرتبة الاجتهاد لا يمكن إلا بعد تقديم دراسات و دراسات حول تمام جوانب النصوص التشريعية و ممارستها على طوق السنين على الرغم من تقديم دراسات عدة علوم بصورة مسبقة.
الثالثة: أن الاجتهاد و التقليد عنصران أساسيان في الإسلام،
و ضروريان لتحديد المواقف العملية للانسان تجاه الشريعة- بحكم ضرورة تبعيته لها- على طول التاريخ.