المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٢ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
الأخباريون و مسألة الاجتهاد
قد عارض جماعة كثيرة من الأخباريين عملية الاجتهاد و مدرسته، و شجبوا هذه المدرسة شجباً عنيفاً، و في نهاية المطاف علم الأصول، بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة علم الأصول، و أهمية دوره الأساسي في الفقه، و أنه العمود الفقري للعمليات الفقهية في مختلف مجالات الحياة.
و هذه المعارضة الشديدة من هؤلاء تقوم على أساس نقطتين:
النقطة الأولى: أنهم فسروا كلمة (الاجتهاد) بتفسير خاطئ:
و قالوا: إن الاجتهاد يعني التفكير الشخصي للفقيه في المسألة إذا لم يوجد فيها نص، و هذا التفكير الشخصي يقوم على أثر الاعتبارات العقلية، و المناسبات الظنية التي تؤدي إلى ترجيحه بصفة كونه حكماً اجتهادياً ذا طابع شرعي. كما كان هذا هو المتداول بين أبناء العامة، فأنهم إذا لم يجدوا نصاً في المسألة عملوا بعقولهم و أفكارهم الشخصية فيها بملاك المناسبات الظنية، و الاستحسانات العقلية، و القياسات الاعتبارية. جعلوا هذه الأفكار الشخصية، و الآراء التي تبتني على تلك الاعتبارات العقلية الظنية مصدراً من مصادر الحكم الشرعي. و لأجل هذا التفسير الباطل شنَّ هؤلاء الجماعة هجوماً شديداً على مدرسة الاجتهاد و أهلها، و أن هذه المدرسة قد اسست في مقابل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و على خلافها، و لذا وردت في ذم هذه المدرسة روايات كثيرة منهم (عليهم السلام).
النقطة الثانية: إن علم الأصول هو العلم الحادث في عصر الغيبة.
و مأخوذ من العامة، فأنهم الأصل فيه، و ليس موجوداً على طول تاريخ الفقه، و في عصر التشريع و زمان الأئمة (عليهم السلام) و لأجل ذلك قالوا: أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) عملوا على طبق النصوص التشريعية حرفياً و بدون حاجة إلى علم الأصول، و تطبيق القواعد العامة. فإذا كان هذا هو طريق تحديد المواقف العملية للإنسان تجاه الشريعة في زمان الأئمة (عليهم السلام) لم يجز التعدي عن هذه الطريقة إلى طريقة أخرى و هي- طريقة الاجتهاد- التي لم تكن موجودة في ذلك الزمان لكي يستكشف إمضاؤها. فإذن لا يمكن إثبات أن الشارع قد سمح بطريقة الاجتهاد و الاستنباط، و مع عدم السماح بها لا حاجة إلى علم الأصول، فإن الحاجة إليه تنبع عن واقع حاجة عملية الاجتهاد و الاستنباط إليه.