المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٠ - الأحكام الشرعية الإسلامية و هي تصنف إلى صنفين
الواصلة إليهم. تارة يكون مستنداً إلى القطع بالصدور، و الدلالة و الجهة و لو كان ذلك من جهة غفلة الشخص عن احتمال خطأ الناقل و اشتباهه في النقل و أخرى لا يكون مستنداً إلى القطع بهذه الجهات، لالتفاته إلى أن الناقل قد يخطأ و يشتبه في النقل، أو في السماع و ان افترض القطع بعدم تعمده في الكذب، و في مثل ذلك لا محالة يكون فهم الحكم الشرعي من النصوص بحاجة إلى قاعدة عامة كحجية تلك النصوص، و حجية ظهورها العرفي، أو ما شاكل ذلك، و لا يمكن ذلك الفهم بدون تطبيق هذه القواعد العامة و أن كان ذلك التطبيق بحسب الارتكاز، و بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة هذه القواعد و حدودها، و أهمية دورها في عملية الاستنباط و الاجتهاد. و من المعلوم: أن هذا بداية نقطة عملية الاجتهاد و الاستنباط بأبسط وجودها. ثمّ تطورت عصراً بعد عصر تدريجياً إلى أن تبلورت هذه العملية في زمان الصادقين (عليهما السلام) بين جماعة من الرواة، و وجدت بذرة التفكير الأصولي في آفاق أذهانهم. كما يظهر ذلك بوضوح من بعض الأسئلة الموجهة من قبل هؤلاء إلى الامام (عليه السلام) كقول الراوي: «أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني» و نحو ذلك، فإنه يكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي في مرتكزات ذهنه، و هي حجية خبر الثقة و هذا يعني- أن يونس بن عبد الرحمن إذا كان ثقة أمكن استنباط الحكم الشرعي من قوله- بتطبيق القاعدة العامة عليه- و هي حجية خبر الثقة. و إن شئت قلت: إن من راجع الروايات و نظر فيها يظهر له من مجموعة الأسئلة فيها وجود بذرة التفكير الأصولي في آفاق اذهان هؤلاء الرواة، و مرتكزاتهم. ثمّ أن هذه البذرة قد تطورت و نمت في عصر الغيبة تدريجاً على ضوء تطور العمل الفقهي، و نموه و توسعه بتوسع مختلف جوانب الحياة و نموها إلى أن انفصلت دراسة هذه البذرة عن الدراسة الفقهية، و أصبحت دراسة علمية مستقلة، و قائمة بنفسها، و تسمى هذه الدراسة التي هي على صعيد البحث النظري- بعد انفصالها عن الدراسة الفقهية التي هي على صعيد البحث التطبيقي و استقلالها- بعلم الأصول، فالتسمية متأخرة. و أما المسمى- و هو جودة البذرة- فهو ولد منذ ولادة العمل الفقهي، و لا يمكن انفكاك النظر الفقهي عن النظر الأصولي في أية مرحلة من مراحل وجوده، للترابط الوثيق بينهما في تمام المراحل، حيث أن عملية الاستنباط عملية قد نتجت من الترابط بينهما ترابط العلم النظري بالعلم التطبيقي. إلى هنا قد استطعنا إن نخرج بهذه النتيجة: و هي إن عملية الاجتهاد، و تحديد الوظائف العملية تجاه الشريعة- من النصوص التشريعية- ليست عملية مستحدثة في عصر الغيبة، بل أنها موجودة في