المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١١ - الأحكام الشرعية الإسلامية و هي تصنف إلى صنفين
عصر التشريع على طول الخط، غاية الأمر أن وجودها في ذلك العصر كان وجوداً بدائياً بسيطا، و غير متطور و معقد. ثمّ أن عملية الاجتهاد في عصر التشريع تمتاز عن عملية الاجتهاد في عصر الغيبة بأمرين: أحدهما: أن الاجتهاد في عصر التشريع على طول الخط كان عملية سهلة، و غير معقدة، إذ الإنسان في ذلك العصر لم يكن بحاجة في الوصول إلى مرتبة الاجتهاد إلى تقديم دراسات مجموعة علوم بصورة مسبقة بالصيغ الموجودة حالياً كالإعداد لها و إلى تقديم دراسات النصوص التشريعية في مختلف مجالاتها لملء الثغرات و الفجوات التي تنجم عن ابتعاد الفقيه عن عصر التشريع. و أما الاجتهاد في هذا العصر فالوصول إليه بحاجة إلى تقديم الدراسات في مختلف الجهات، و ممارستها لملء الفراغ الناجم من ابتعاد الفقيه عن عصر التشريع، و دفع الشكوك و الأوهام التي تواجهها النصوص التشريعية مهما أمكن، و تبرير العمل بها رغم وجود تلك الشكوك و الأوهام في الواقع، و عدم إمكان إزالتها نهائياً. و الآخر: إن الاجتهاد في عصر التشريع أقرب إلى واقع التشريع الإسلامي من الاجتهاد في العصور المتأخرة، حيث إن الاجتهاد في هذه العصور كما عرفت مكتنف بالشكوك و الأوهام حول مدى صحة النصوص التشريعية الواصلة بطريق الآحاد عبر قرون متطاولة، بينما لم يكن الاجتهاد في عصر التشريع مكتنفاً بتلك الشكوك و الأوهام. نعم يشتركان في نقطة واحدة: و هي سماح الشرع في كشف واقع التشريع الإسلامي ظاهراً بالعملية المذكورة- التي هي عملية ظنية لا تتعدى عن حدود الظن-. و حينئذ علينا أن نفصل ذلك الظن عن الظن الذي لم يسمح الإسلام العمل به. و الاعتماد عليه فيه التشريع.
بيان ذلك: أن الظن الذي قد سمح الإسلام العمل به في كشف تشريعاته كان ذا طابع خاص- يشرح ذلك الطابع في ضمن حدود معينة وفقاً لشروطها العامة في علم الأصول- و هو الطن الحاصل من النصوص التشريعية بالأحكام الشرعية في ضمن شروطه المبينة المحدودة. و لا فرق في جواز العمل بذلك الظن بين عصر التشريع على طول الخط و العصور المتأخرة إلى نهاية المطاف، فإن الفصل الزمني بينهما مهما طال لا يؤثر في ذلك.