المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٢٤ - اختلاف المجتهدين في الفتاوي
و بكلمة أخرى: أن الأحكام الشرعية الإسلامية في واقعها الموضوعي ليست وليدة أنظار الإنسان و أفكاره المتخالفة بعضها مع بعضها الآخر، فإنها أحكام إلهية قد جاء بها النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) و هي ثابتة على أسس متينة، و أصول موضوعية، و مبادئ واقعية، و لا تتغير تلك الأحكام بتغير الأفكار، و الآراء و الأزمان. و أما الأحكام التي هي وليدة اجتهادات المجتهدين فهي بطبيعة الحال تختلف باختلاف الاجتهادات و الأنظار فقد تكون مطابقة لواقع التشريع الإسلامي، و قد تكون مخالفة له، و حيث أن الأحكام الإسلامية الواقعية موزعة في مجموع اجتهادات المجتهدين هنا و هناك فبطبيعة الحال تتفاوت نسبة التوزيع إلى المجموع بتفاوت الأبواب و المسائل.
بيان ذلك أن المسائل الموجودة في الموسوعات الفقهية، و الرسائل العملية على ثلاث أنواع:
النوع الأول: المسائل المتوفرة في أبواب المعاملات و بعض أبواب العبادات،
حيث أن نسبة الخلاف الموجود بين المجتهدين في مسائل تلك الأبواب أصغر حجماً من الخلاف الموجود بينهم في أكثر مسائل أبواب العبادات. أحدهما أن مسائل هذه الأبواب غالباً مسائل عقلائية يرجع في تعيين حدودها سعة و ضيقاً، و تحديد المواقف العملية فيها إلى طريقة العقلاء و العرف العام، إلا فيما اذا قام نص خاص من قبل الشرع على الخلاف. و لأجل ذلك: لا تحتاج عملية الاجتهاد فيها إلى أعمال مقدمات نظرية بدقة أكثر، و عمق أكبر. و الآخر: أن النصوص الواردة في جملة من مسائل تلك الأبواب، و بعض أبواب العبادات كانت نصوصاً واضحة في مختلف جهاتها فلا تقبل الشكوك و الأوهام بدرجة تؤدي إلى الخلاف بين المجتهدين كنصوص مسائل الإرث، أو ما شاكلها. و من الطبيعي أن نسبة الخطاء في مجموع آراء المجتهدين لواقع التشريع الإسلامي في مجموع مسائل هذه الأبواب أقل نسبة الخطاء في مجموع آرائهم لواقع التشريع الإسلامي في مجموع أبواب العبادات على حساب نسبة عدد الفتاوي.