المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٢٠ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
الفقه و الأصول مترابطان بترابط متبادل على طول التاريخ
ان علم الأصول: قد وضع لممارسة وضع النظريات العامة و تحديد القواعد المشتركة- في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها العامة- للتفكير الفقهي التطبيقي. و في مقابل ذلك علم الفقه، فإنه قد وضع لممارسة طريقة تطبيق تلك النظريات العامة و القواعد المشتركة على المسائل و العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى مسألة أخرى. و من هنا يرتبط: علم الفقه بعلم الأصول ارتباطا وثيقاً منذ ولادته إلى أن ينمو، و يتطور، و يتسع تبعاً لتطور البحث الفقهي، و اتساعه بوجود مشاكل جديدة في الحياة. بيان ذلك: أن فهم الحكم الشرعي من النصوص التشريعية في كل مسألة و مورد بحاجة إلى عناية و دقة ما، و من المعلوم أن هذا الفهم المسمى بالتفكير الفقهي لا يمكن بدون التفكير الأصولي يعني بدون استخدام القواعد العامة الأصولية و أن كان الممارس غير ملتفت إلى طبيعة تلك القواعد، و حدودها، و أهمية دورها في ذلك. و لأجل هذا الترابط الوثيق بين الفقه و الأصول فكلما اتسع البحث الفقهي، و تعمق باتساع مشاكل الحياة، و وجود عناصر جديدة فيها ادى ذلك إلى اتساع البحوث الأصولية و النظريات العامة و تطورها، و تعمقها، حيث أن اتساع الفقه كماً كيفاً يدفع البحوث الأصولية العامة خطوة إلى الامام، لحل المشاكل الجديدة في الحياة. فالنتيجة: أن توسع البحوث الفقهية التطبيقية و تطورها، تبعاً لتطور الحياة، و توسعها في مختلف مجالاتها يتطلب توسع البحوث الأصولية، و تطورها بنسبة واحدة و على هذا الضوء: فكلما كان الباحث الأصولي ادق و اعمق في التفكير الأصولي، و تكوين النظريات العامة، و القواعد المشتركة المحددة كان ادق و أعمق في طريقة عملية تطبيقاتها على المسائل الخاصة وفقاً لشروطها العامة، لوضوح أن الترابط بين العلمين و التفاعل بينهما في تمام المراحل يستدعي أنه اذا بلغ مستوى التفكير الأصولي درجة بالغة من الدقة و العمق بلغ مستوى التفكير الفقهي التطبيقي نفس الدرجة. و لا يعقل أن يكون مستوى التفكير الأصولي بالغاً درجة كبيرة من الدقة و العمق، و لكن كان مستوى التفكير الفقهي التطبيقي دون ذلك المستوى و الدرجة. و أن شئت قلت: أن النظريات العامة الأصولية كلما كانت موضوعة في صيغ أكثر عمقاً و صرامة، و أكبر دقة كانت أكثر غموضاً، و تطلبت في مجال التطبيق دقة أكبر، و التفاتاً أكثر.