المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٢١ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
و هذا معنى الترابط و التفاعل بين الذهنية الأصولية و الذهنية الفقهية، و هاتان الذهنيتان متبادلتان على مستوى واحد في ذهنية كل فرد في تمام مراحل وجودهما فإن دقة البحث في النظريات العامة في الأصول تنعكس في الفقه على صعيد التطبيقات. و لا نقصد بذلك أن عملية تطبيق النظريات العامة على المسائل و العناصر الخاصة لا يحتاج إلى أي تفكير، و بذل جهد علمي، و أن الجهد العلمي المبذول في دراسة النظريات العامة على صعيد البحث النظري، و تكوين القواعد المشتركة في الحدود المسموح بها- يغني عن بذل جهد جديد في تطبيق هذه النظريات العامة على مواردها الخاصة، اذ من الواضح أن المجتهد كما أنه بحاجة- في دراسة النظريات العامة في الأصول، و تكوين القواعد المشتركة المحددة- إلى التفكير، و بذلك الجهد العلمي المتعب خلال سنين متمادية، كذلك أنه بحاجة في تطبيق تلك النظريات العامة و القواعد المشتركة على عناصرها الخاصة إلى دراسة جوانب التطبيق، و ممارستها، و ما يرتبط به من القرائن و الامارات العرفية، و المناسبات الارتكازية في كل مسألة بلحاظ طبيعة تلك المسألة و أرضية موردها. بل نقصد بذلك أن الذهنية الأصولية النظرية ترتبط بالذهنية الفقهية التطبيقية في تمام المراتب فإذا بلغت الذهنية الأصولية درجة أكبر عمقاً، و أكثر دقة انعكست تماماً في الذهنية الفقهية و تطلبت في مجال التطبيق دقة أكثر، و عمقاً أكبر. و نظير ذلك عم الطب حيث يبحث فيه عن النظريات العامة، و تكوين القواعد المشتركة على صعيد البحث النظري، و في مجال تطبيق تلك النظريات العامة على المريض يدرس الطبيب حالاته و مشاكله الداخلية، و الخارجية التي يمكن أن يكون مرضه مرتبطاً بها. و في خلال التطبيق يصادف العثور على مشاكل جديدة و عوامل أخرى بصورة مستمرة و لا يتمكن معالجة المريض الناجم مرضه من المشاكل و العوامل المزبورة الا بدراستها على أساس أن ما لديه من النظريات العامة لا ينطبق على المريض المذكور بلحاظ طبيعة مرضه. و من الطبيعي أن هذه المشاكل الجديدة و العوامل الأخرى تدفع النظريات الطبية العامة خطوة إلى الامام دقة و عمقاً، و أكثر استيعاباً، لحل تلك المشاكل و العوامل الجديدة. و من هنا تتطور النظريات الطبية العامة، و تتوسع و تتعمق عصراً بعد عصر بشكل مستمر، و من البديهي أنه كلما تطورت تلك النظريات، و توسعت دراستها و تعمقت بدقة أكبر، و بالتفات أوسع، و باستيعاب أكمل تطلبت في مجال التطبيق دراسة حالات المرضى أكثر دقة، و أكبر عمقاً، و أوسع التفاتاً و أكمل