المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٢٨٠ - عقد المضاربة
الثالثة: ان البنك كما أنه وكيل من قبل المودعين في إنجاز عقود المضاربة، وكيل من قبلهم في إنشاء الشركة بين ودائعهم جميعا بنحو الاشاعة،
و بعد ذلك يقوم بعقد المضاربة من مجموع الودائع، و حينئذ فيكون رأس المال في كل عقد مضاربة مشتركا بين مجموعة من الأطراف، و هذا يعزز ثقة المودعين بنجاح المضاربة و تقليل مخاطرها، على أساس ان احتمال الخسران في تمام هذه العقود غير محتمل عادة، و بكلمة ان وديعة كل مودع و إن كانت تظل محتفظة بملكية صاحبها لها، و لا تنتقل ملكيتها إلى البنك كما هو الحال في البنوك الربوية، إلا انها لا تبقى منعزلة عن ودائع الآخرين، بل البنك بمقتضى وكالته عن أصحابها ككل يقوم بالاجراء الشرعي، و هو جعل مجموع الودائع ملكا مشاعا لمجموع المودعين، و عليه فتكون حصة كل مودع من هذا المجموع بنسبة وديعته، و نتيجة ذلك إن رأس مال كل مضاربة مشترك بين الجميع بنسبة وديعته.
الرابعة: إن الوديعة في البنوك الربوية مضمونة،
على أساس أن الودائع التي تحصل عليها تلك البنوك ليست في الحقيقة ودائع بالمعنى الفقهي، و إنما هي قروض، فإذا كانت كذلك فهي مضمونة بمثلها في الذمة، و لهذا تصبح المبالغ التي يتقاضاها المودعون عليها فوائد على القرض، و أما في البنوك اللاربوية فبما أنها ودائع بالمعنى الفقهي و باقية في ملك أصحابها، فلا تكون مضمونة من هذه الناحية، و لكن للبنك و لأجل تعزيز ثقة المودعين بنظامه الإسلامي، أن يقوم بضمان الوديعة بقيمتها الكاملة للمودع في حالة خسارة رأس مال المشروع، و لا مانع من قيام البنك بذلك، باعتبار أنه يلعب دور الوسيط لا دور العامل لكي يقال بعدم جواز ضمان العامل رأس المال في عقد المضاربة، و نقصد بهذا الضمان تعهد البنك للمودع بقيمة الوديعة عند وقوع الخسارة عليها في عقد المضاربة، أو تلفت بدون تفريط من العامل و تقصيره. و بكلمة: إن الضمان المعاملي يتصور على نحوين: أحدهما: نقل الدين من ذمة إلى ذمة و هذا هو المشهور بين الفقهاء و المرتكز في الأذهان، و مورده الدين خاصة، و الآخر التعهد بشيء و جعله في مسئولية الشخص، و مرده في نهاية المطاف إلى اشتغال ذمته ببدله على تقدير التلف من المثل أو القيمة، و هذا معنى آخر للضمان عرفا، و هو يتصور في الديون و الأعيان معا.