المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٨ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
و قد جرت على ذلك السيرة القطعية من العقلاء، و هذه السيرة موجودة على امتداد عصر التشريع و بدون أي ردع عنها. إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة: و هي أن الاجتهاد و التقليد في الحدود المسموح بهما عنصران اساسيان في الإسلام، و كل فرد- بحكم التبعية للدين- ملزم بالعمل بأحد هذين العنصرين تحديداً لموقفه العملي من الشرع، و حفاظاً على ظاهر التشريعات الإسلامية و الآثار الإيجابية، و ضبطاً للآثار السلبية المترتبة على عدم العمل بهما.
و أما النقطة الثانية:
و هي سماح الإسلام بعملية الاجتهاد في كل عصر و لكل فرد فهي أيضاً ضرورية و هذه الضرورة تنجم عن ابدية الشريعة الإسلامية من ناحية، و انها الوسيلة الوحيدة لحل تمام مشاكل الحياة المعقدة في كل عصر من ناحية أخرى. و التبعية التي تفرض على الإنسان للدين في سلوكه بشتى اشكاله من ناحية ثالثة، و النصوص التشريعية الواصلة في هذا العصر ليست من الوضوح بدرجة تغني عن كلفة اقامة الدليل، و بذلك الجهد فيها من ناحية رابعة، و ضرورة عدم الفرق بين عصر دون و فرد دون فرد من ناحية خامسة. و مجموع هذه النواحي: يستدعي ضرورة حركة فكرية اجتهادية ذات طابع إسلامي على طول الخط لكي تفتح الآفاق الذهنية، و تحمل مشعل الكتاب و السنة في كل عصر، و لو لا هذه الحركة الفكرية الاجتهادية في الإسلام، التي تطورت و تعمقت عصراً بعد عصر بتطور الحياة و اتساعها و تعمقها في مختلف مجالاتها الاجتماعية و الفردية- لم تتبلور اصالة المسلمين في التفكير و التشريع المتميز المستمد من الكتاب و السنة على طول التاريخ في عصر الغيبة. لو لم تكن هذه الحركة الفكرية المسماة في الاصطلاح العلمي بعملية (الاجتهاد) مستمرة في هذا العصر على طول الخط لانطفى مشعل الكتاب و السنة في نهاية المطاف و ظلت المشاكل الحياتية المتجددة في كل عصر بدون حل صارم. و من هنا يتطور علم الفقه، و يتسع، و يتعمق تدريجياً تبعاً لتطور الحياة، و اتساعها، و تعمقها في تمام المجالات. و من هنا يكون تطور علم الفقه، و اتساعه في تمام المجالات الحياتية على طول الخط يؤكد في المسلمين اصالتهم الفكرية، و شخصيتهم التشريعية المستقلة المتميزة.