شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٦ - خطبة السيد الرضى ( ره )
و الفكرة فيها [١].
و ربما جاء في اثناء هذا الاختيار اللفظ المردد ، و المعنى المكرر ،
و العذر في ذلك ان روايات كلامه « عليه السلام » تختلف إختلافا
[١] زاهد الزهاد : أى زاهدهم ، كما يقال زاهد الناس . و الابدال جمع بديل ،
و هم قوم صالحون لا تخلو الارض منهم اذا مات منهم واحد بدل اللّه مكانه آخر ،
و لذا قيل لهم : ابدال ، ثم ان وجه عجب الناس من الجمع بين هاتين الصفتين انهم الفوا ان الزهاد لا يكونون شجعانا و الشجعان لا يكونون زهادا ، اذ الزهد يوجب العزوف عن الدنيا فلا يبالى الزاهد بأهل الدنيا حتى يحاذيهم و يجالدهم ، كما ان الشجاعة توجب قسوة القلب و الاقبال على الدنيا فلا يقبل الشجاع الى اللّه تعالى حتى يكون زاهدا .
لكن ان الانسان لو تأمل رأى ان اصحاب الحق و الاصلاح يلزم أن يكونوا كذلك ، فان الشخص الصالح المصلح حيث ان نظره الى الآخرة يزهد فى الدنيا بنفسه و يريد اصلاح غيره و الاصلاح لا يمكن الا برفع صور الاجتماع عن شوارع السعادة و الرفاهية ، و لذا ترى ان الزارع الرؤوف بالثمار يقطع الشوك ، و الراعى العطوف على القطيع يستأصل الذئب ، فهو عليه السلام على طبق القاعدة الانسانية العامة و سواه ممن اتصف باحدى الصفتين على خلافها و لذا وصف اللّه سبحانه المؤمنين بقوله أشداء على الكفار رحماء بينهم بل نقول ان الرجل المعتدل : هو الذى جمع « الغضب و الحلم » و « القبض و البسط » و « الاعطاء و المنع » و « البطش و الكف » و « الاقدام و الاحجام » الى غير ذلك من الصفات المتقابلة اذ للغضب موقع لا يسد مسده الحلم ، و الحلم موقع لا يخلفه الغضب . فالحلم فى الجميع ناقص ، و الغضوب فى الكل غير كامل ، و لقد كان امير المؤمنين صلوات اللّه عليه جامعا لهذه الصفات فظن من ألف الناس الناقصين كونه « ع » جامعا للاضداد .
و يكفيك شاهدا لما ذكرنا ان اللّه سبحانه مع كماله المطلق « أرحم الراحمين فى موضع العفو و الرحمة ، و أشد المعاقبين فى موضع النكال و النقمة » .