شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ١٥ - خطبة السيد الرضى ( ره )
المتأمل ، و فكر فيه المتفكر ، و خلع من قلبه انه كلام مثله « عليه السلام » ممن عظم قدره ، و نفذ أمره ، و أحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في أنه من كلام من لا حظ له في غير الزهادة ، و لا شغل له بغير العبادة ،
قد قبع فى كسر بيت ، أو انقطع الى سفح جبل [١]لا يسمع إلا حسه ، و لا يرى إلا نفسه ، و لا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقطّ الرقاب ، و يجدّل الأباطل ، و يعود به ينطف دما و يقطر مهجا [٢]، و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد ،
و بدل الابدال . و هذه من فضائله العجيبة ، و خصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الاضداد ، و ألف بين الاشتات ، و كثيرا ما أذاكر الاخوان بها ، و استخرج عجبهم منها ، و هى موضع للعبرة بها ،
[١] الزواجر : جمع زاجرة و هى الكلمة التى تسوق الناس الى ترك المنكر و نحوه .
قبع الرجل أدخل رأسه فى قميصه ، و هنا كناية عن الانزواء و الانعزال . و كسر البيت : جانبه . و سفح الجبل : أسفله أو جانبه .
[٢] ينغمس : يدخل دخولا تاما ، من غمس الشىء فى الماء بمعنى غطه . و اصلت السيف جرده من غمده . و يقط الرقاب : يقطعها عرضا . و يجدل الابطال : يلقيهم على الجدالة : و هى وجه الارض . و ينطف . يسيل . يقطر مهجا : اما كناية عن انه سبب للموت فتسيل عليه الارواح إذا كانت المهج جمع مهجة بمعنى الروح ،
و أما حقيقة إذا كانت بمعنى دم القلب ، و الأول أولى بالبلاغة .