شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٣٧٢
« و الذى بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، و لتغربلن غربلة » اقسم عليه السلام باللّه عز و جل و أخبر عن وقوع بلاء و امتحان على الناس ، و لعله اشار الى تلك الحروب و الغزوات التي اتفقت أيام خلافته ، و أشار الى الوقائع التي جرت على اهل المدينة من بعده كوقعة الحرة ، و هدم الكعبة ، و ما فعل الحجاج بأهل العراق ، و على اي تقدير فهذا اخبار منه عليه السلام بما سيجري على الناس و معنى الجملة الأولى : انكم يختلط بعضكم ببعض ، بحيث تزول عزة ذوى العزة ، و جلالة الاجلاّء ، فيختلط العالم بالجاهل ، و المؤمن بالمنافق ، و الشريف بالدني . و معنى الجملة الثانية : ( و لتغربلن غربلة ) فهذه الكلمة مأخوذة من الغربال الذى يغربل به الدقيق و غيره ، و معناها :
انهم يميزون . فينتخب الفاسق و يترك المؤمن ، و يكرم الوضيع ، و يهان الشريف و يقدّر الخائن ، و يضيع الأمين ، أى يفرّق بين الجيد و الردي .
و هناك معنى آخر ذكره بعض الشراح قالوا : معناها : يتميز المؤمن من الفاسق و الصالح من الطالح بالامتحان و هناك معنى ثالث : و هو ان الجملة الثانية مأخوذة من غربلت اللحم قطعته ، فهي اشارة الى الفتن و الاضطهادات التي جرت على مشاهير المسلمين في زمن الامويين ، ثم قال عليه السلام : ( و لتساطن سوط القدر حتى يعود اعلاكم اسفلكم و اسفلكم اعلاكم ) المسوط و المسواط : خشبة يحرك بها ما في القدر لاختلاط ما فيها . و لهذه الجملة احتمالات ثلاث : الاول انقلاب العقائد من حيث الكفر و الاسلام ، و النفاق و الايمان ، أي ينقلب المؤمن في تلك الامتحانات منافقا و المنافق مؤمنا ، كالمنحرفين الذين انحرفوا عنه ، و شهروا سيوفهم فى وجهه ،
و كالذين شهروا سيوفهم في وجهه ثم تابوا و صاروا من اصحابه ، و قتلوا في سبيله .
و الاحتمال الثاني : هو انتقال الامارة و السلطنة من الاشراف الاعزاء الى الاجلاف الانذال و السفلة الاذلاء .