شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢١٩ - المعنى
أشار عليه السلام إلى تكذيب قول من ينسب اليه الخوف من الموت ، أو الحرص على الملك ، أي بعد تلك المصائب و النوائب التي جرت عليّ لا أخاف من الموت ، بل الموت أحب إلي من البقاء ، و هذا شأن الرجال الغيارى أنهم يرجحون الموت على الحياة المملوءة بالفجائع و الفضائع .
فمنها : وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هي المصيبة العظمى و الفاجعة الكبرى ، و منها : الرزايا التي تراكمت على سيدة النساء و ما دهاها من هضمها حقها ، و هتك حرمتها المنيعة ، و كل ذلك بمرىء منه و مسمع ، أ فبعد هذا يخاف أمير المؤمنين من الموت ، أو يحب الحياة مع هؤلاء الناس ؟
( و اللّه لابن ابيطالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه ) اقسم ( ع ) باللّه تعالى انه أشد انسا بالموت من الطفل بثدي امه ، لأن محبة الطفل و ميله إلى ثدي امه أمر طبيعي حيواني فهو في معرض الزوال ، يعني إذا كبر الطفل و تجاوز سن الرضاع يزول ذلك الانس ، و لكن انس علي بالموت لا يزول مهما عاش ،
و كيف يخاف علي عليه السلام و أولياء اللّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون ، و علي سيد أولياء اللّه .
( بل اندمجت على مكنون علم ) ذكر عليه السلام السبب الوحيد لسكوته و عدم نهوضه بحقه و هو انه احتوى على عدم و اطلاع ببعض الأسرار التي أخبره بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيما يتعلق بالخلافة ، و هي من علوم الامامة و مزاياها ،
و لا يشاركه فيها أحد من غير الأئمة و لا يستطيع أحد أن يسمع او يطلع على شيء من تلك الأسرار و لا يتمكن أن يتحملها ( لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة ) لو باح او أظهر شيئا من تلك الأسرار لاضطربت قلوب الناس كما تضطرب الحبال في الآبار العميقة ، و ذلك لضعف القلوب و عدم استعداد النفوس