شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٦٦ - المعنى
من نار و خلقته من طين ، لانه زعم ان النار أشرف العناصر ، و التراب شيء حقير و هذا قياس باطل و لهذا أول قاس ابليس ، كما قال ابو عبد اللّه الصادق عليه السلام لأبي حنيفة : لا تقس فأن أول من قاس ابليس حين قال : خلقتني من نار و خلقته من طين . فقاس ما بين النار و الطين ، و لو قاس نورية آدم بنوريه النار عرف فضل ما بين النورين و صفاء احدهما على الآخر .
و لما امتنع عن السجود طرده من الجنة و لعنه أي أبعده من رحمته و ذلك قوله تعالى : فأخرج منها فانك رجيم ، و انك عليك لعنتي الى يوم الدين . فلما رأى ابليس انه كانت عاقبة أمره الطرد و اللعن ، و علم ان ذلك كله كان بسبب آدم ،
صار في مقام الانتقام من آدم و من ذريته ، فطلب من اللّه ان يمهله حتى يعيش الى يوم القيامة فقال : انظرني أي امهلني الى يوم يبعثون ( فأعطاه اللّه النظرة ، استحقاقا للسخطة ، و استتماما للبلية و إنجازا للعدة فقال : انك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم أمهله اللّه تعالى ليزداد إثما و ذنبا فيزداد استحقاقا لسخط اللّه تعالى و غضبه عليه : كما أمهل الكافرين في قوله : و لا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لأنفسهم انما لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين .
و استتماما للبلية و الامتحان لأن أسباب الفتنة و الابتلاء للناس كثيرة فمنها الأموال و الاولاد لقوله تعالى : انما أموالكم و أولادكم فتنة . و غيرهما و منها ابليس لعنه اللّه مع ما أن اللّه يعلم المصلح من المفسد و لكن ليظهر للناس مدى إيمانهم باللّه و خوفهم منه و حذّر اللّه عباده عن ابليس و اخبرهم انه عدوهم و نهاهم عن عبادته و إطاعته لقوله سبحانه : أ لم أعهد اليكم يا بني آدم : ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و إنجازا للعدة لقد سبق أن ابليس عبد اللّه في السماء ستة آلاف سنة فاستحق بذلك الأجر و الثواب ، و حيث أن اللّه لا يضيع أجر من أحسن