شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٣٧ - المعنى
و اما تشبيه المسجد حين الغرق بصدر السفينة او النعامة الجاثمة ، او الطائر في لجة بحر فتشبيه ظاهر ، و اما وقوع الغرق الذى اخبر به فالمنقول : ان البصرة غرقت مرة في أيام القادر باللّه و مرة في زمان القائم باللّه غرقت باجمعها و من في ضمنها ،
و خربت مع دورهما ، و لم يبق منها إلا علو مسجدها الجامع كما اخبر به عليه السلام .
و لأمير المؤمنين عليه السلام خطبة في مدح اهل البصرة ، و هذا المدح لا ينافي الذم السابق ، فان الشيء تارة يمدح لبعض خواصه و منافعه و تارة يذم نظرا لبعض المضار التي فيه ، و ستعرف وجه ذلك إذا طابقت بين هذه الخطبة و التي قبلها :
قال عليه السلام : يا اهل البصرة إن اللّه لم يجعل لأحد من امصار المسلمين حظة شرف و لا كرم إلا و جعل فيكم أفضل ذلك ، و زادكم من فضله و منه ، ما ليس لهم :
انتم اقوم الناس قبلة ، قبلتكم عن المقام حيث يقوم الامام بمكة ، و قارئكم أقرأ الناس ، و زاهدكم أزهد الناس ، و عابدكم اعبد الناس ، و تاجركم أتجر الناس ،
و أصدقكم في تجارته ، و متصدقكم اكرم الناس صدقة ، و غنيّكم اشد الناس بذلا و تواضعا ، و شريفكم أحسن الناس خلقا ، و انتم اكرم الناس جوارا ، و أقلهم تكلفا لما لا يعنيه ، و احرصهم على الصلاة في جماعة ، ثمرتكم اكثر الثمار ، و اموالكم اكثر الأموال ، و صغاركم اكيس الاولاد ، و نسائكم اقنع النساء ، و أحسنهن تبعلا ، سخّر لكم الماء ، يغدو عليكم و يروح صلاحا لمعاشكم ، و البحر سببا لكثرة اموالكم ، فلو صبرتم و استقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا ، و ظلا ظليلا غير أن حكم اللّه فيكم ماض ، و قضائه نافذ ، لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب .
يا اهل البصرة : ما الذي إبتدأتكم من التوبيخ إلا تذكيرا و موعظة لما بعد ، لكيلا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي وثبتم ، و قد قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه و آله : و ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين .