توقيعات الناحية المقدسة - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٣١٠ - الفصل الخامس الأخبار المتضمّنة لمن رآه عليه السلام
ثمّ قال لنا: يا أهل الكتاب، لا معارضة لكم فيما معكم، حيث أُخذت الجزية منكم، فلمّا عرف أُولئك أنّ أموالهم معرضة للنَهب، سألوه أن يحتملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم وتلا: «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»[٣٠].
فقلنا للناخداه والرُّبّان وهو الدليل: هؤلاء قومٌ قد عاشرناهم وصاروا رفقة، وما يَحسُن لنا أن نتخلّف عنهم أينما يكونوا نكن معهم، حتّى نعلم ما يستقرّ حالهم عليه؟ فقال الربّان: واللَّه ما أعلم هذا البحر أين المسير فيه، فاستأجرنا رُبّاناً ورجالًا، وقلعنا القلع وسرنا ثلاثة عشر يوماً بلياليها حتّى كان قبل طلوع ا لفجر، فكبّر الرُبّان فقال: هذه واللَّه أعلام الزاهرة ومنائرها وجدرها أنّها قد بانت، فسرنا حتّى تضاحى النهار.
فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون أحسن منها ولا أحقُّ على القلب، ولا أَرَقُّ من نسيمها ولا أطيبَ من هوائها، ولا أعذب من مائها، وهي راكبة البحر، على جبلٍ من صخر أبيض، كأنّه لون الفضّة وعليها سور إلى ما يلي البحر، والبحر يحوط الذي يليه منها، والأنهار منحرفة في وسطها يشرب منها أهل الدور والأسواق، وتأخذ منها الحمّامات وفواضل الأنهار ترمى في البحر، ومدى الأنهار فرسخ ونصف، وفيتحت ذلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها، ومزارعها عند العيون، وأثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ولا أعذب، ويرعى الذئب والنعجة عياناً ولو قصد قاصد لتخلية دابّة في زرع غيره لما رعته، ولا قطعت قطعة حمله ولقد
[٣٠] الأنفال: ٤٢.