توقيعات الناحية المقدسة - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٢٩٦ - الفصل الخامس الأخبار المتضمّنة لمن رآه عليه السلام
السَير حتّى عجزنا وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش، فأيقنّا بالموت وسقطنا لوجوهنا.
فبينما نحن كذلك إذا بفارسٍ على فرس أبيض قد نزل قريباً منّا، وطَرَحَ مَفرشاً لطيفاً لم نر مثله تفوح منه رائحةً طيّبةً، فالتفتنا إليه وإذا بفارسٍ آخر على فرسٍ أحمر عليه ثيابٍ بيض، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثمّ قام فصلّى بصاحبه، ثمّ جلس للتعقيب.
فالتفت إليّ وقال: يا محمود! فقلت بصوتٍ ضعيف: لبّيك يا سيّدي، قال: أُدْنُ منّي، فقلت: لا أستطيع لِما بي من العطش والتعب، قال: لا بأس عليك.
فلمّا قالها حسبتُ كأن قد حدث في نفسي روحٌ متجدِّدة، فسعيتُ إليه حَبواً، فمرّ يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى ودخل لساني في فمي، وذهب ما بي وعُدتُ كما كنت اوّلًا، فقال: قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل وكأنّ في الوادي حنظل كثير، فأتيته بحنظلة كبيرة فقسَّمها نصفين وناولنيها وقال: كُلْ منها، فأخذتها منه، ولم أقدم على مخالفته وعندي أمرني أن آكل الصبر لما أعهد من مرارة الحنظل، فلمّا ذُقتها فإذا هي أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك؛ شَبِعتُ ورويتُ.
ثمّ قال لي: أُدع صاحبك، فدعوته، فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة، فقال له: قم لا بأس عليك، فأقبل إليه حبواً وفعل معه كما فعل معي ثمّ نهض ليركب، فقلنا: باللّه عليك يا سيّدنا إلّاما أتممت علينا نعمتك، وأوصلتنا إلى أهلنا، فقال: لا تعجلوا وخطّ حولنا برمحه خطّة، وذهب هو وصاحبه.
فقلت لصاحبي: قم بنا حتّى نقف بإزاء الجبل ونقع على الطريق، فقمنا وسرنا