الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٢ - ما يبطل الخيار الخلاف في بيع المصحف وشرائه وإبداله
أحكام الموتى له من أرث ماله ونفوذ وصيته وغيرها ، ولان خروجه عن
حكم الاصل لا يثبت إلا بدليل ولانص فيه ولا إجماع ، ولا يصح قياسه على
الحشرات والميتات لان تلك لم يكن فيها منفعة فيما مضى ولافي الحال وعلى أن
هذا المحتم يمكن زواله لزوال ما يثبت به من الرجوع عن الاقرار والرجوع من
الشهود ولو لم يمكن زواله فأكثر ما فيه تحقق تلفه ، وهذا يجعله كالمريض
المأيوس من برئه وبيعه جائز
( فصل ) فاما بيع لبن الآدميات فرويت الكراهة فيه عن احمد ، واختلف أصحابنا في جوازه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي .
وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه ، وهو مذهب أبيحنيفة ومالك لانه مائع خارج من آدمية فلم يجز بيعه كالعرق ولانه جزء من آدمي فلم يجز بيعه أشبه سائر أجزائه .
والاول أصح لانه طاهر منتفع به فجاز بيعه كلبن الشاة ولانه يجوز أخذ العوض عنه في اجارة الظئر فأشبه المنافع ويفارق العرق فانه لانفع فيه .
ولذلك لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها فانه يجوز بيع العبد والامة .
وانما حرم بيع الحر لانه غير مملوك وحرم بيع العضو المقطوع لانه
لانفع فيه
( مسألة ) ( وفي جواز بيع المصحف وكراهة شرائه وابداله روايتان )
قال احمد لا أعلم في بيع المصاحف رخصة ورخص في شرائها .
وقال الشراء أهون .
وممن كره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير واسحاق قال ابن عمر وددت أن الايدي تقطع في بيعها .
وقال أبو الخطاب يجوز بيع المصحف مع الكراهة وهي رواية عن احمد لانه منتفع به فأشبه سائر كتب العلم ، وهل يكره شراؤه وابداله ؟ على روايتين ورخص في بيعها الحسن والحكم وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي لان البيع يقع على الورق والجلد وبيعه مباح ولنا قول الصحابة ولم نعلم لهم مخالفا في عصرهم ، ولانه يشتمل على كلام الله تعالى فتجب صيانته عن البيع والابتذال ( يقول الاخرون ان المبتذل ما لا يباع وانفس الجواهر تباع وان بيعه يسهل على الناس الانتفاع به تعميم هدايته وكتبه محمد رشيد رضا ) أما الشراء فهو أسهل لانه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه فجاز كما جاز شراء رباع مكة واستئجار دورها ولم ير بيعها ولا أخذ اجرتها ، وكذلك دفع الاجرة إلى الحجام لا يكره مع كراهية كسبه والرواية الاخرى يكره لان المقصود منه كلام الله تعالى فيجب صيانته عن الابتذال وفي جواز شرائه التسبب إلى ذلك والمعونة عليه ، ولا يجوز بيعه لكافر فان اشتراه فالبيع باطل وبه