الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١١٤ - الامتناع من تسليم المبيع قبل قبض الثمن
وكذلك تقديم أرش الجناية على الدين لذلك ، وقال مالك وأبو حنيفة يجبر المشتري أولا على تسليم الثمن كالمسألة قبلها وقد ذكرنا ما يدل على خلافه ، إذا ثبت هذا وأجبنا على البائع التسليم فسلم فان كان المشتري موسرا والثمن حاضرا أجبر على تسليمه وان كان الثمن غائبا عن البلد في مسافة القصر أو كان المشتري معسرا فللبائع الفسخ لان عليه ضررا في تأخير الثمن فكان له الفسخ والرجوع في عين ماله كالمفلس ، وان كان الثمن في بيته أو بلده حجر على المشتري في المبيع وسائر ماله حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في ماله تصرفا يضر بالبائع ، وان كان غائبا عن البلد قريبا دون مسافة القصر فللبائع الفسخ في أحد الوجهين لان عليه ضررا في تأخير الثمن أشبه المفلس ( والثاني ) لا يثبت له خيار الفسخ لانه كالحاضر فعلى هذا يحجر على المشتري كما لو كان في البدل وهذا كله مذهب الشافعي ، وقال شيخنا ويقوى عندي انه لا يجب على البائع تسليم المبيع حتى يحضر الثمن ويتمكن من تسليمه لان البائع انما رضي ببذل المبيع بالثمن فلا يلزمه دفعه قبل حصول عوضه ولان المتعاقدين سواء في المعاوضةفيستويان في التسليم وانما يؤثر ما ذكر في الترجيح في تقديم التسليم مع حضور العوض الآخر لعدم الضرر فيه أما مع الحظر المحوج إلى الحجر أو المجوز الفسخ فلا ينبغي ان يثبت ولان شرع الحجر لا يندفع به الضرر لانه يقف على الحاكم ويتعذر ذلك في الغالب ولان ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم أولى أن يمنع التسليم لان المنع أسهل من الرفع ، والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده ولذلك ملكت المرأة منع نفسها من التسليم قبل قبض صداقها ولم تملكه بعد التسليم على أحد الوجهين .
وكل موضع قلنا له الفسخ فانه يفسخ بغير حكم حاكم لانه فسخ للبيع
فتعذر ثمنه فملكه البائع كالفسخ في عين ماله إذا أفلس المشتري وكل موضع
قلنا يحجر عليه فذلك إلى الحاكم لان ولاية الحجر إليه
( فصل ) فان هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر فللبائع الفسخ في الحال
لانه يملك الفسخ مع حضوره فمع هربه أولى وان كان موسرا أثبت البائع ذلك عند
الحاكم ثم ان وجد الحاكم له ما لا قضاه والا باع المبيع وقضى ثمه منه وما
فضل فللمشتري وان أعوز ففي ذمته ، قال شيخنا ويقوى عندي ان للبائع الفسخ
بكل حال لانا ابحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيدا عن البلد للضرر
في التأخير فههنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال أولى ، ولا يندفع الضرر
برفع الامر إلى الحاكم لانه قد يعجز عن اثباته عنده وقد يكون المبيع في
مكان لاحاكم فيه والغالب ان لا يحضره من يعرفه الحاكم بالعدالة فاحالته على
هذا تضييع لماله وهذه الفروع تقوى ما ذكرته من ان للبائع منع المشتري من
قبض المبيع قبل احضار الثمن لما في ذلك من الضرر