الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٦٣ - عدم فساد البيع بفساد الشرط
يثبت فيهما خيار وقيل هما اجارة وقد ذكرناه ، فأما الحوالة والاخذ بالشفعة فهو عقد لازم يستقل به أحد المتعاقدين فلا خيار فيهما لان من لا يعتبر رضاه الخيار له ، إذا لم يثبت في أحد طرفيه لا يثبت في الآخر كسائر العقود ، ويحتمل أن يثبت الخيار للمحيل والشفيع لانه يقصد فيهما العوض فأشبها سائر عقود المعاوضات
مسألة
( ولكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما لما ذكرناه ) ولا خلاف في لزوم العقد بعد التفرق ما لم يكن سبب يقتضي جوازه مثل أن يجد في السلعة عيبا فيردها به أو يكون قد شرط الخيار مدة معلومة فيملك الرد فيها بغير خلاف علمناه بين أهل العلم ، وفي معنى العيب أن يدلس المبيع بما يختلف به الثمن أو يشرط في المبيع صفة يختلف بها الثمن فيبين بخلافه أو يخبره في المرابحةبثمن حال وهو مؤجل ونحو ذلك وقد دل على لزوم البيع بالتفرق قول النبي صلى الله عليه وسلم " وان تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع " والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعاداتهم لان الشارع علق عليه حكما ولم يبينه فدل على انه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والاحراز ، فان كانا في فضاء واسع كالمسجد الكبير والصحراء فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات وقيل هو ان يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة .
قال أبو الحارث سئل أحمد عن تفرقة الابدان فقال إذا أخذ هذا هكذا وأخذ هذا هكذا فقد تفرقا .
وروى مسلم عن نافع قال فكان ابن عمر إذا باع فأراد أن لا يقيله مشى هنيهة ثم رجع ، وان كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت أو إلى مجلس أو صفة أو من مجلس إلى بيت ونحو ذلك ، فان كانا في دار صغيرة فإذا صعد أحدهما السطح أو خرج منها فقد فارقه ، وإن كانا في سفينة صغيرة خرج أحدهما منها ومشى ، وإن كانت كبيرة صعد أحدهما إلى أعلاها ونزل الآخر في أسفلها وهذا كله مذهب الشافعي ، فان كان المشتري هو البائع مثل أن اشترى لنفسه من مال ولده أو اشترى لولده من نفسه لم يثبت فيه خيار المجلس لانه يتولى طرفي العقد فلم يثبت له خيار كالشفيع ويحتمل أن يثبت فيه كغيره فعلى هذا يعتبر لزومه مفارقة مجلس العقد لان الافتراق لا يمكن هاهنا لكون البائع هو المشتري ، ومتى حصل التفرق لزم العقد قصدا ذلك أو لم يقصداه علماء أو جهلاه لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الخيار على التفرق وقد وجد ، ولو هرب أحدهما من الآخر لزم العقد لانه فارقه ولا يقف لزوم العقد على رضاهما ولهذا كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم البيع ، ولو أقاما في المجلس وسدلا بينهما سترا أو بنيا بينهما حاجزا أو ناما وقاما فمضيا جميعا ولم يتفرقا فالخيار بحاله وان طالت المدة لعدم التفرق ، وقد روى أبو داود والاثرم باسنادهما عن أبي الوضئ قال غزونا غزوة لنا فنزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك