الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٧ - التصرف في المبيع في مدة الخيار بيع ما فتح من البلاد عنوة ولم يقسم
مسألة
( ولا يجوز بيع ما فتح عنوة ولم يقسم كأرض الشام والعراق ومصر ونحوها إلا المساكن وأرضا من العراق فتحت صلحا وهي الحيرة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا لان عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم تقدر مدتها لعموم المصلحة فيها ) لا يجوز بيع شئ من الارض الموقوفة ولا شراؤه كأرض الشام ونحوها في ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم ، وروي ذلك عن عبد الله ابن مغفل وقبيصة بن ذؤيب وميمون بن مهران والاوزاعي ومالك وأبي اسحاق الفزاري .
قال الاوزاعي لم تزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية ويكرهه علماؤهم ، وقال : أجمع رأي عمر وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهروا على أهل الشام على اقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون خراجها إلى المسلمين ويرون أنه لا يصلح لاحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الارض طوعا ولاكرها وكرهوا ذلك لما كان من ايقاف عمر وأصحابه الارضين المحبوسة على آخر هذه الامة من المسلمين لاتباع ولا تورث قوة على جهاد من لم يظهر عليه بعد من المشركين ، وقال الثوري إذا أقر الامام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها ، وروى نحو هذا عن ابن سيرين والقرظي ، لما روى عبد الرحمن بن زيد أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضا على أن يكفيه جزيتها ، وروي عنه أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبقر [١] في الاهل والمال ، ثم قالعبد الله وكيف بمال بزاذان وبكذا وكذا ؟ وهذا يدل على أن له مالا بزا ذان ولانها أرض لهم فجاز بيعها كأرض الصلح ، وقد روي عن أحمد أنه قال : كان الشراء أسهل يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس وهو رجل من المسلمين وكره البيع ، قال شيخنا وانما رخص في الشراء والله أعلم لان بعض الصحابة اشترى ولم يسمع عنهم البيع ، ولان الشراء استخلاص للارض ليقوم فيها مقام من كانت في يده والبيع .
أخذ عوض عما لا يملكه ولا يستحقه فلا يجوز ولنا اجماع الصحابة رضي الله عنهم فانه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أراضيهم .
وقال الشعبي اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها قصا فذكر ذلك لعمر فقال ممن اشتريتها ؟ قال من اربابها ، فلما اجتمع المهاجرون والانصار قال هؤلاء أربابها فهل اشتريت منهم شيئا ؟ قال لا ، قال فارددها إلى من اشتريتها منه وخذ مالك .
وهذا قول عمر في المهاجرين والانصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم فلم ينكر فكان اجماعا ولا سبيل إلى وجود اجماع أقوى من هذا وشبهه إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة ولا إلى نقل قول العشرة ولم يوجد الاجماع إلا القول المنتشر ، فان قيل فقد خالفه ابن مسعود بما ذكر عنه .
قلنا لا نسلم المخالفة وقولهم اشترى قلنا المراد به أكرى كذا قال أبو عبيد ، والدليل عليه قوله على أن يكفيه جزيتها ولا يكون مشتريا لها وجزيتها على غيره وقد روى عنه القاسم أنه قال : من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل وهذا يدل على أن الشراء هنا الاكتراء وكذلك كل من رويت عنه الرخصة في الشراء محمول
[١] التبقر التوسع (