الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٧٤ - تصرف البائع في مدة الخيار فسخ للبيع
المقصود بالخيار وفيه وجه آخر أن تصرف المشتري لا يبطل خياره ولا
يبطل الا بالتصريح كما لو ركب الدابة ليختبرها ، والاول أصح لان هذا يتضمن
اجازة البيع ويدل على الرضى به فيبطل به الخيار كصريح القول ، ولان صريح
القول انما يبطل به الخيار لدلالته على الرضى فما دل على الرضى بالمبيع
يقوم مقام القول ككنايات الطلاق ، وان عرضه على البيع أو باعه بيعا فاسدا ،
أو عرضه على الرهن ، أو وهبه فلم يقبل الموهوب له بطل خياره على الوجه
الاول لان ذلك يدل على الرضى به ، قال احمد إذا شرط الخيار فباعه قبل ذلك
يربح فالربح للمبتاع لانه وجب عليه حين عرضه
( فصل ) وإن استخدم المشتري
المبيع ففيه روايتان ( احداهما ) لا يبطل خياره ، قال أبو الصقر قلت لاحمد
رجل اشترى جارية وله الخيار فيها يومين فانطلق بها فغسلت رأسه أو غمزت رجله
أو طبخت له أو خبزت هل يستوجبها بذلك ؟ قال لا حتى يبلغ منها مالا يحل
لغيره قلت فان مشطها أو خظبها أو حفها هل استوجبها بذلك ؟ قال قد بطل خياره
لانه وضع يده عليها .
وذلك لان الاستخدام لا يختص الملك ويراد به تجربة المبيع فأشبه ركوب الدابة ليعلم سيرها .
ونقل حرب عن أحمد أنه يبطل خياره لانه انتفاع بالمبيع أشبه لمسها بشهوة .
ويمكن أن يقال ما قصد به من الاستخدام تجربة المبيع لا يبطل الخيار كركوب الدابة ليعلم سيرها وما لا يقصد به ذلك يبطل الخيار كركوب الدابة لحاجته ، وإن قبلت الجارية المشتري لم يبطل خياره وهذا مذهب الشافعي ، ويحتمل أن يبطل ذكره أبو الخطاب إذا لم يمنعها لان اقراره لها على ذلك يجري مجرى استمتاعه بها ، وقال أبو حنيفة إن قبلته بشهوة بطل خياره لانه استمتاع يختص الملك فأبطل خياره كما لو قبلها ولنا انها قبلة لاحد المتعاقدين فلم يبطل خياره كما لو قبلت البائع ولان الخيار له لا لها فلو الزمناه بفعلها لالزمناه بغير رضاه ولا دلالة عليه بخلاف ما إذا قبلها فانه يدل على الرضى بها ، ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه فخيار البائع باق بحاله لان خياره لا يبطل برضى غيره الا أن يكون تصرف باذن البائع وقد ذكرناه
مسألة
( وان أعتقه المشتري نفذ عتقه وبطل خيارهما ، وكذلك إن تلف المبيع ، وعنه لا يبطل خيار البائع وله الفسخ والرجوع بالقيمة ) إذا تصرف أحد المتعاقدين بعتق المبيع في مدة الخيار نفذ عتق من حكمنا بالملك له ، وظاهرالمذهب أن الملك للمشتري فنفذ عتقه سواء كان الخيار لهما أو لاحدهما لانه عتق من مالك جائز التصرف فنفذ كما بعد المدة وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا عتق فيما لا يملك ابن آدم " يدل بمفهومه على أنه ينفذ في الملك وملك البائع الفسخ لا يمنع نفوذ العتق من المشتري كما لو باع عبدا بجارية معيبة فان عتق المشتري ينفذ مع أن للبائع الفسخ .
ولو وهب رجل ابنه عبدا فاعتقه نفذ عتقه مع ملك الاب استرجاعه ولا ينفذ عتق البائع في ظاهر المذهب ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ينفذ عتقه لانه ملكه ، وإن كان الملك انتقل فانه يسترجعه بالعتق ، ولنا أنه اعتاق من غير مالك فلم ينفذ كعتق الاب عبد ابنه