الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٢٤ - الشراء ممن في ماله شبهة لوجود الحلال والحرام فيه
فصل
) ( الخامس أن يكون مقدورا على تسليمه فلا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء ولا السمك في الماء ولا المغصوب الا من غاصبه أو ممن يقدر على أخذه منه ) بيع العبد الآبق لا يجوز سواء علم بمكانه أو جهله وكذلك ما في معناه من الجمل الشارد والفرس العائر وشبههما وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرا شاردا وعن ابن سيرين لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا وعن شريح مثله .
ولنا ماروى أبو هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع
الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم وهذا بيع غرر ولانه غير مقدور على تسليمه
فلم يجز بيعه كالطير في الهواء فان حصل في يد إنسان جاز بيعه لامكان تسليمه
( فصل ) ولا يجوز بيع الطير في الهواء مملوكا كان اولا اما المملوك فلانه
غير مقدور عليه وغير المملوك لا يجوز لعلتين عدم القدرة وعدم الملك لحديث
أبي هريرة قيل في تفسيره هو بيع الطير في الهواء والسمك في الماء ولا نعلم
في هذا خلافا ولا فرق بين كون الطائر يألف الرجوع اولا يألفه لانه لا يقدر
على تسليمه الآن وانما يقدر إذا عاد .
فان قيل فالغائب في مكان بعيد لا يقدر على تسليمه في الحال ، قلنا الغائب يقدر على استحضاره والطير لا يقدر صاحبه على رده الا أن يرجع هو بنفسه ولا يستقل مالكه برده فيكون عاجزا عن تسليمه لعجزه عن الواسطة التي يحصل بها تسليمه بخلاف الغائب وان باعه الطير في البرج نظرت فان كان البرج مفتوحا لم يجز لان الطير ان لم يمكن تسليمه فان كان مغلقا ويمكن أخذه جاز بيعه وقال القاضي ان لم يمكن أخذه الا بتعب ومشقة لم يجز بيعه وهذا مذهب الشافعي .
وهو ملغي بالبعيد الذي لا يمكن إحضاره الا بتعب ومشقة ، وفرقوا
بينهما بان البعيد تعلم الكلفة التي يحتاج إليها في احضاره بالعادة وتأخير
التسليم مدته معلومة ، والصحيح أن تفاوت المدة في احضار البعيد واختلاف
المشقة أكبر من التفاوت في إمساك طائر من البرج ، والعادةتكون في هذا
كالعادة في ذلك فإذا صح في البعيد مع كثرة التفاوت وشدة اختلاف المشقة فهذا
اولى
( فصل ) ولا يجوز بيع السمك في الآجام هذا قول اكثر أهل العلم وروي
عن ابن مسعود انه نهى عنه وقال إنه غرر وكرهه الحسن النخعي ومالك وأبو
حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور ولا نعلم لهم مخالفا لما ذكرنا من
الحديث والمعنى ، فان باعه في الماء جاز بثلاثة شروط أحدها أن يكون مملوكا
وان يكون الماء رقيقا لايمنع مشاهدته ومعرفته ، وان يمكن اصطياده لانه
مملوك معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالموضوع في طست في الماء .
وان اختل شرط مما ذكرنا لم يجز بيعه لفوات الشرط وروي عن عمر بن عبد العزيز وابن أبى ليلى فيمن له أجمة يحبس السمك فيها يجوز بيعه لانه يقدر على تسليمه ظاهرا أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في الكيل أو الوزن والنقل .
ولنا قول ابن مسعود وابن عمر لا تشتروا السمك في الماء لانه غرر ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا منه ولانه لا يقدر على تسليمه الا بعد اصطياده أشبه الطير في الهواء ولانه مجهول أشبه اللبن في الضرع ويفارق ما قاسوا عليه ، لان ذلك من مؤنة القبض وهذا يحتاج إلى مؤنة ليمكن قبضه ، فاما ان كانت له بركة له فيها سمك