الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١٥ - الاستصباح بالدهن والشحم النجس وبيع الترياق
في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه لان أكله حرام لا نعلم فيه خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال " ان كان مائعا فلا تقربوه " من المسند وإذا كان حراما لم يجز بيعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " ولانه نجس فلم يجز بيعه قياسا على شحم الميتة وعنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها لانه يعتقد حلها ويستبيح أكلها ولانه قد روي عن أبي موسى لتوا به السويق وبيعوه ولا تبيعوه من مسلم وبينوه ، والصحيح الاول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها ، ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " متفق عليه .
ولانه لا يجوز بيعها من مسلم فلا يجوز بيعها لكافر كالخمر والخنزير فانهم يعتقدون حله ولايجوز بيعه لهم ولانه دهن نجس فلم يجز بيعه لكافر كشحوم الميتة .
قال شيخنا ويجوز أن يدفع إلى الكافر في فكاك مسلم ويعلم الكافر بنجاسته لانه ليس ببيع في الحقيقة انما هو استنقاذ المسلم به
مسألة
( وفي جواز الاستصباح بها روايتان ويخرج على ذلك جواز بيعها ) اختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فروي عنه انه لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السمن الذي ماتت فيه الفأرة " وان كان مائعا فلا تقربوه " ولا النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال " لا ، هو حرام " متفق عليه .
وهذا في معناه وهو قول ابن المنذر وعنه اباحته لان ذلك يروى عن ابن عمر وهو قول الشافعي لانه أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر وهذا اختيار الخرقي ، فعلى هذا يستصبح به على وجه لا تتعدى نجاسته إما أن يجعل في ابريق ويصب منه في المصباح ولا يمس وإما أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجا مثقوبا ويطبقه على رأس اناء الزيت ، وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء بحيث يرتفع الزيت فيملا السراج وما أشبه هذا ، وعلى قياس هذا كل انتفاع لا يفضي إلى التنجيس بها يجوز ويتخرج على جواز الاستصباح به جواز بيعه وهكذا ذكره أبو الخطاب لانه يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فجاز بيعه كالبغل والحمار ، وهل تطهر بالغسل فيه وجهان ذكرناهما فيما مضى ، وإذا قلنا تطهر بالغسل فالقياس يقتضي جواز بيعها لانها عين نجسة تطهر بالغسل أشبهت الثوب النجس .
وكره أحمد رحمه الله أن تدهن بها بالجلود وقال تجعل منها الاسقية ،
ونقل عن ابن عمر انه يدهن بها الجلود وعجب أحمد من هذا فيحتمل أن يحمل على
ما لا تتعدى نجاسته كالنعال كما قلنا في جلود الميتة
( فصل ) فأما شحوم الميتة وشحم الكلب والخنزير فلا يجوز الاستصباح به ولا
الانتفاع به في جلود ولا سفن ولا غيرها لما ذكرنا من الحديث ، وإذا استصبح
بالزيت النجس فاجتمع من دخانه شئ فهو نجس لان جزء منه ، والنجاسة لا تطهر
بالاستحالة فان علق بشئ عفي عن يسيره لمشقة التحرز عنه وإن كثر لم يعف عنه
( فصل ) ولايجوز بيع الترياق الذى فيه لحوم الحيات لان نفعه انما يحصل
بالاكل وهو محرم فخلا