تنقيح المقال في علم الرجال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٧٨ - و أمّا انكسار نفسه و ترابيّة مزاجه
المقدمة(ق ١)
الصفحة ٧٨
و كان إذا ورد مجلسا يفرّ من الصدر و يتطلّب ذيل المجلس و الخالي من أمكنته [١].
و كان يكرم الوارد عليه-جليلا كان أو حقيرا-و كان يعامل الحقير و الفقير- عند وروديهما عليه-أحسن من معاملة الناس مع الأجلاّء،و كان إكرامه لأهل العلم-إذا كان فقيرا-أزيد منه إذا كان غنيا،فإذا ورد عليه طالب علم فقير أو سيّد فقير-و عنده من أهل العلم من هو غني أو من هو من التجار أو أعيان الدولة-كان يجلس ذلك المشتغل الفقير أو السيّد الفقير فوق يده؛و الحال أنّ ذلك الغني كان جالسا تحت يده [٢].
[١] يحدّثنا السيّد الأمين في أعيان الشيعة ١٥٠/٥ بقوله:..و كان متواضعا،دخل يوما إلى دار آل الشيخ جعفر صاحب كاشف الغطاء في عشر المحرّم-و أنا حاضر-فوجد المجلس غاصبا،فجلس في أخريات الناس،فتبادر أهل المجلس و أتوا به إلى الصدر..
[٢] حدّثني أكثر من واحد عن غير واحد-و منهم شيخي الوالد دام ظله-أنّه دخل أحد أعيان تجار الترك بصحبة مضيفه من السادة خدم الروضة العلويّة-على صاحبها آلاف السلام و التحية-على المرحوم الجدّ الأكبر قدّس سرّه،و قدّم التاجر مبلغا كبيرا من الحقوق الشرعيّة،فما كان من ذاك السيّد الخادم إلاّ أن خاطب الشيخ بالعربية بما حاصله:إنّه لا تنسونا..!و حيث كان الشيخ يعرفه بعدم التقوى،بل التجاهر بالفسق و عدم الفقر لذا اعاد المال على صاحبه و رفض أخذه..فأصرّ عليه التاجر و طالبه بالسبب، فقال الشيخ رحمه اللّه:إنّ هذا السيّد يطلب مني أن أسرق من حقّ اللّه و رسوله و اعطيه، و هذا ما لا يكون..فعاد التاجر على السيّد و زجره و صاح به،ثمّ ترجى من الشيخ قبول الحقوق فقبل المبلغ،فما كان من السيّد إلاّ أن توعد الشيخ و هدده بالقتل بالعربية-كيلا يفهم التاجر-و كان من عادة الشيخ طاب ثراه اقامة بعض النوافل الليلية في الحرم الشريف،لذا إكراما له كان يفتح باب الصحن قبل اذان الصبح بمدّة،و في مرّة و الشيخ خارج إلى الحرم و الطريق خال من المارة،و هو يتكي عن عكاز و لعلّ معه سراج،فما كان إلاّ و حمل ذاك السيّد الشاب على الشيخ و القاه أرضا و جلس على صدره مصلتا سكينة،فوجد الشيخ من تحت يتململ و يقول:(رو بقبله..رو بقبله..)[أي إلى طرف القبلة]،فسقطت السكين من يده،و جثى على يد و رجل الشيخ يقبلهما و يستميحه و يعتذر